بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
277
834447

صفحتنا على الفيسبوك

سلسلة الصمت في التصوّف والأديان المقارنة

الصمت في الهندوسية واليوغا؛ تعاليمه واختباراته في الفيدا وسير الحكماء المعاصرين

الصمت في الهندوسية واليوغا؛ تعاليمه واختباراته في الفيدا وسير الحكماء المعاصرين        
تأليف: لويس صليبا     
الناشر: دار ومكتبة بيبليون
 السلسلة: الصمت في التصوف... والأديان المقارنة
النوع: ورقي غلاف فني،
حجم: 21×14،
عدد الصفحات: 300 صفحة
الطبعة: 1
  مجلدات: 1      
يحتوي على: صور/رسوم      
اللغة: عربي

نبذة :
الهندوسية بالمعنى الواسع، ليست إنتماءً دينياً عقائدياً أو عرقياً، فهي ليست ديانة بالمفهوم السامي/الإبراهيمي، أي ترتكز على عقيدة معينة credo، وإنما هي أدب حياة بمفهومه الشامل، لا تحصره عقيدة في الخالق والكون. فيمكن لواحد أن يؤمن بالمسيح ويكون هندوسياً. ولآخر أن يكون حتى ملحداً دون أن تسقط صفة الهندوسي عنه. فثيجا بنندا المؤمن بدين الإنسان، وجاك ثينيو السائر على خطى معلمة فثيجا بنندا والذي يعتبر نفسه خارج الإنتماءات الدينية يبقيان ضمن الدائرة الهندوسية الواسعة، عيشاً وأدباً وحياة وإنتماءً إلى مدرسة ما أتندا مايي. ومنى الحويك المسيحية وإبنة العائلة الملتزمة، تلتقي في تفتح إختباراتها اليوغية مع تعاليم حكماء اليوغا، وتتدرج كسالك في مدرسة اليوغا، وكتلميذة متدرجة فيها. دون أن يعني ذلك أي تنكر لهويتها الثقافية / الدينية الأساسية. فصمتها وإختبارها للصمت غصن من دوحة اليوغا وشجرتها المتنامية والمتعددة الأغصان، ما يبرر موقعها في هذا الكتاب. وهي نموذج لمكانة الصمت ودوره في حياة الإنسان العلماني غير المتكرس أو المتفرغ للحياة الروحية الدينية. وهو أمر شددت الهندوسية واليوغا على إبرازه وإختباره. فاليوغا لا تقتصر حياة الصمت وإختباره على الرهبان والنساك، بل تنصح وتدعو كل إمرئ ليعيش كبعد أساسي في الحياة البشرية، وضرورة نفسية وفيزيولوجية، شأنه في ذلك شأن النوم وغيره من الحاجات الطبيعية. في هذا الإطار يأتي عرض هذا الكتاب للصمت في كتابات منى وحياتها في موقفه الطبيعي، دون أن يكون غريباً عن السياق العام للكتاب. صبية خبرت اليوغا والتأمل عاشت الحب والصمت وآخت بينهما، لكان إختبارها يقول للقارئ أن الصمت من دون حب جاف هو أهدى، في حين أن الحب في غياب الصمت معرض للزوال. خلاصة تصب في مفهوم اليوغا للصمت وإختبارها له. هذا وإن كان هناك إحتياج وعند عرض الكتاب للصمت في إختبار منى إلى دراسة هي بالأحرى دراسة نقدية أدبية لعدد من آثارها وأشعارها، فذلك لا يعني حكماً، خروجاً عن منهجية الكتاب وموضوعه، وهل يختلف النص الأدبي الشعري مضموناً وأسلوباً وبنيةً عن النص الديني أو المقدس لا سيما إذا كان بوحاً صادقاً لأحوال إنسانية وروحية عاشها صاحبه، وكم من النصوص التي إعتبرها الناس مقدسة، وهي في الأصل إبداعات شعرية وأدبية، ولعل الإختلاف ( الفرق ) بين النص الديني / المقدس والإبداع الادبي ليس أساساً في أطر التعبير وأساليبه وأشكاله ومواضيعه حتى، وإنما هو تمييز لاحق وناشئ عن تقديس للنص.

الصمت في اليهودية؛ تقاليده في التوراة والتلمود وعند النبي إيليا والحسيديم

الصمت في اليهودية؛ تقاليده في التوراة والتلمود وعند النبي إيليا والحسيديم            
تأليف: لويس صليبا
الناشر: دار ومكتبة بيبليون
السلسلة: الصمت في التصوف... والأديان المقارنة     
النوع: ورقي غلاف فني،
حجم: 21×14،
عدد الصفحات: 350 صفحة
الطبعة: 1  
 مجلدات: 1      
يحتوي على: صور/رسوم      
اللغة: عربي 

نبذة :
يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة كتب تبحث في ظاهرة "الصمت في التصوف والأديان". وعنوان هذا الكتاب هو "الصمت في اليهودية، تقاليده في التوراة والتلمود وعند النبي إيليا والحسيديم". وهو يعالج موضوع الصمت في تيارات روحانية مختلفة، ليكشف فيها عن سر مشترك يحركها جميعاً، هو سر الصمت الملازم للكلمة، فهما معاً يشكلان سر التواصل مع المطلق، مع الله، في شتى كشوفاته.

ومن يقرأ متن الكتاب يجده مصالحاً للموضوع بطريقة شاملة شيقة، ويجد فيه بساطة الطرح وعمق المعالجة، مما يجعل القارئ المهتم، ينجذب إلى قراءته، مكتشفاً معاني جديدة للصمت، نهلها الكاتب العارف من مخزون علمه وكتبه، فقدمها في كتابه هذا مخفاً على الباحث مشقة البحث الطويل ولامضني. فقد اعتمد للدخول في صلب موضوعه، الأسلوب الكلاسيكي في معالجة مواضيع كهذه، إذ بادر إلى المصادر الإيمانية اليهودية دون غيرها، مستنداً أحياناً على كتاب ومؤلفين يهود، ليحافظ على موضوعيته، بعيداً كل البعد عن الإنجرار خلف الأحكام المسبقة، والنعوت المعلبة. أراد أن يكون طرحه "يهودياً"، توراتياً، "تلموديا"، و"حسيدياً" صرفاً جامعاً بين معطيات التوراة الكتابية، والتوراة الشفهية، ركني العبادة اليهودية، وهذا ليس بالأمر السهل في محيطنا المشرقي العربي، للأسباب التي يعرفها الكثيرون، وأما الذين يتخطونها بموضوعيتهم فقليلون.

الصمت في المسيحية

نبذة :
يقول الأب جوزف قزي في مقدمة الكتاب بأن القوانين الرهبانية في الرهبانيات جميعها، شدّدت على حفظ الصمت، وعينت له أوقاتاً كثيرة في اليوم، كما حدّدت له أمكنة عديدة في الدير، بل معظم الأمكنة المشتركة كالكنيسة وبيت المائدة، والمنامات، والمماشي الداخلية، والغرف الخاصة... هي أمكنة صمت يحترمها الرهبان إحترامهم للمقدسات. وثمة رهبانيات في الكنيسة تنذر الصمت كنذر رابع أو خامس، بالإضافة الى الطاعة والعفّة والفقر والتواضع، هي تمارسه وتقدسه وتلتزم بموجباته، وإن كان من حاجة توجب الكلام، فإنما يكون التعبير عنها بالإشارة والرمز لا بالكلام. ولهذا أيضاً يوجد في التقليد المسيحي نوعين من الصلاة: ًصلاة لفظيةً و ًصلاة عقليةً. الصلاة اللفظية يتلوها المؤمن، وقد تعلمها من الآباء، وورثها عنهم، وقد نظمتها الكنيسة وإعتمدتها.

أما الصلاة العقلية فيقوم بها المؤمن في خلوته وسكونه، وصمته بينه وبين ربه، من دون مشاركة أحد...هذه أعمق وأجدى في تغيير الإنسان من الداخل، وهي للمتأملين في السماويات الغائصين في عالم الروح، أما الصلاة اللفظية فلتنظيم الجماعة المصلية، وترتيب الإحتفالات الشعبية والصلوات العامة. وينهي الأب جوزف حديثه بأنه وتعقيباً على هذه الخواطر في الصمت ومكانته في عالم الروح، ماكان ليعتقد يوماً أن إنساناً يعيش في خضم الحركة الفكرية والإجتماعية تخطر في باله معالجة مثل هذا الموضوع، الذي لم يجد أحداً ممن تجبرهم قوانينهم على عيش الصمت ليقوم للقارئ إختباره، الى أن جاء الدكتور صليبا بعمله هذا حيث وفّى الموضوع حقه وبرع بتناوله من جميع جوانبه بدقة وشمولية وإتقان، راحلاً عبر التاريخ ليعين روّاده في الكنيسة وفي الفكر العالمي. فكان لا بد في الباب الأول من كتابه هذا من درس مفاهيم الصمت في الإنجيل، إذ هي الأساس والقدوة.

أما الباب الثاني فقد خصصه مؤلفه للصمت مفهوماً وإختباراً في الكنيسة (أو الكنائس) الشرقية. هذا كان لا بد له وبعد عرضه للصمت في المشرق من إتباع ذلك بتبيان تراثه وتقاليده في الغرب وكنائسه. فكان هذا هو المحور الذي تدور حوله أبحاث الباب الثالث. وتجدر الإشارة الى أنه تم إغناء الكتاب بملاحق ثلاثة . دار الملحق الأول حول الصمت بين التقليدين الكاثوليكي والأرثوذكسي، وتحدث الملحق الثاني عن الصمت والحالة الرهبانية، وتم تخصيص الملحق الثالث لبحث التصوفين المسيحي والإسلام

.


عنـوان الكتاب : الصمت في المسيحية
مفهومه واختباراته في الإنجيل وكنائس
المشرق والغرب.
المؤلّف/ المترجم Auteur: د. لويس صليبا Dr. Lwiis T. Saliba
أسـتاذ وباحـث فـي الأديـان المقارنـة/باريـس
Titre : Le Silence dans le Christianisme sa
conception et ses expériences dans
l'évangile et les églises d'Orient et d'Occident
تقديـم : الأب الدكتور جوزف قزّي
أستاذ في كلّية اللاهوت الحبرية/جامعة الكسليك
عنوان السلسلة : الصمت في التصوّف والأديان 4
عدد الصفحات : 414 ص
سنة النشر : 2009
تنضيد وإخراج داخلي : صونيا سبسبي
التوزيع : المكتبة البولسية
بيروت: 448806/01 - جونية: 911561/09 - زحلة: 812807-08
الناشر : دار ومكتبة بيبليون
طريق المريميين – حي مار بطرس- جبيل/ بيبلوس ، لبنان
 Byblion1@gmail.com
2009 - جميع الحقوق محفوظة


مقدمة الأب الدكتور
جوزف قزي
أستاذ في كلية اللاهوت الحبرية/جامعة الروح القدس-الكسليك
باحث ومؤلّف في الدراسات الإسلامية والتاريخ الكنسي
1 – ليس الصمت بديلاً عن الكلام، ولا مناقضاً له، بل يكمّله، ويُعطيه معناه الحقيقيّ، بل قد يعبّر الصمتُ عن الحقيقة أكثر من الكلام... تصوّر كلاماً متتالياً من دون وقفة صمتٍ بين فكرة وفكرة، أو جملة وجملة، كيف يكون، وكيف تفهم المقصود منه وتميّز معانيه؟ تصوّر لحناً موسيقياً لا وقوف فيه، أليس هو أقرب إلى الضجيج؟! وتصوّر إنساناً دائم العمل والحركة، كيف يستطيع أن يستمرّ نشيطاً؟!.
2 – صحيح أن الله هو ”الكلمة“، كما يعلِّم لاهوتُ الكنيسة. وصحيح أن الله أوحى عن مشيئته بكلامٍ بشريّ لكلِّ حدَث. وصحيح أيضاً أنّ هذا الكلام الموحَى به أصبح متجسِّداً في يسوع المسيح، الذي به انتهى كلُّ كلامٍ إلهيّ مع البشر، ذلك لأن يسوع المسيح نفسه أصبح هو ”الكلمة“ الذي أغنانا عن الكلام كلّه.
3 – لقد كانت هذه ”الكلمة“، في السنوات الثلاثين من عمره، صامتةً، خفيّةً، مستترةً، لم يُعرف عنها أيّ كلام، «لكأن ثلاثة أعوام من إعلان البشرى السارّة، كما يقول د. صليبا، استوجبتْ ثلاثين عاماً من التحضير والصمت» (ص 37). وكذلك أيضاً أصبحتْ هذه ”الكلمة“في الأوقات الحاسمة من تاريخ الخلاص، صامتةً، ”لم يفتح فاه“، كما يقول أشعيا. فلكأنّ الخلاصَ، في حقيقته، يجب أن يتمّ بصمت. وقد تمّ فعلاً بصمت.
4 – لو لم يكُن اللهُ في البدء صمتاً، لما تجرّأ يوحنّا على القول بأنّ «في البدء كانت الكلمة»، أي: لو لم يكن قبل ”الكلمة“ صمتٌ لما كانت ”الكلمة“ كلمةً. وعندما أصبح الصمتُ كلمةً، كانت الكائنات. فلكأنّ الأساس كان الصمت، ثمّ الكلمة، ثمّ الكون. فالكون خرج من الكلمة، والكلمة خرجت من الصمت، والصمت هو الأساس.
5 – يقول القدّيس إفرام بأنّ اللهَ الآبَ هو ”العقل“ (هَونُا)، والابن هو ”الكلمة“ (مِلْتُا)، والروح القدس هو ”الصوت“ (قُولاُ). والعقل، من دون الكلمة والصوت، صامتٌ. لهذا نقول: أوّل ما خرج من ”العقل“، الذي هو ”الصمت“: ”الكلمة“، ومن الصمت والكلمة خرج ”الصوت“. ومن الكلّ خرجت الكائنات وانتشرتْ ونمتْ وتكاثرتْ. وكان بينها جميعها حوار وتفاعل وولادة. وبات الكون كلّه يتطوّر ويتقدّم ويترقّى بسببها.
6 – فضيلةُ الصمتِ هذه لم يتقن الكتابةَ فيها إلا الذين مارسوها، والتزموا بها في حياتهم الفكريّة والروحيّة والاجتماعية. وقليلون هم الذين كتبوا عنها، وحسناً ما فعلوا، لأنّ في الكلام على الصمت تناقضاً. غير أنّ الذين يقضون معظم حياتهم في الصمت هم يخشون الكلام على الصمت. والذين لم يصمتوا كثيراً فكيف يستطيعون أن يعرفوا ما هو الصمت وما أهمّيته؟
7 – إنّ حضورَنا أمام الله في الحياة الآتية، لن يكون إلا صمتاً أبدياً متواصلاً، لأننا نكون، عندئذٍ، في حضرة مَن هو ”الكلمة“ ذاته، الذي يُغني عن كلّ كلام سواه. بل إنّ كل كلام سواه فقيرٌ جدّاً، ولا يفيد شيئاً. لهذا كان على الإنسان أن يمرّ أوّلاً في صمت الموت المطلق حيث يتلاشى كلّ شيء ويصمت كلّ كلام.
8 – فإذا كان الكلام لغة أهل الأرض، فالصمت، كما قال إسحق السرياني، هو «سرّ الدهر الآتي». لذلك سوف يكون الصمت فضيلةً مسيحيّةً بامتياز. وهو أيضاً في أساس الحياة الرهبانية، وفي منطلق كلّ رسالة فاعلة مثمرة.... إذ إنّ كل شيء مفيد ومجدٍ يتأسّس على الصمت والتأمّل، وينطلق من الصمت والتأمّل نحو اكتشاف غنى أسرار الملكوت.
9 – لهذا كان الصمت الذي هو من أجل الملكوت فضيلة النسّاك العظام. عندما لا يكون الكلامُ ضرورياً ومفيداً لهم فهم حكماً في حال صمتٍ دائم. والتعبير عن الحاجة – وقد جعلوها قليلة ونادرةً جدّاً – إنّما يكون عندهم بالإشارة، إذ إنّ الإشارة لا تشتّتُ الفكرَ، ولا تفسد التأمّل ولا تُقلق البال، ولا تهزّ مشاعر القلب.
10 – الصمتُ يعبّر عن الصمت أكثر من الكلام وأجدى، وقد يعبّر عن الكلام أيضاً أكثر من الكلام نفسه، بل هو يدوّي أكثر من الكلام. لهذا نرى اللهَ، في تعامله مع الإنسان، صامتاً، كأنّه لا يسمع ولا يرى. لهذا نقول بأنّ النعمة تفعل فيه فعلها عندما لا يشعر الإنسانُ بفعلها، وكأنّها تأتي من صميم طبيعته، فيما هي من خارج الطبيعة، فائقة الطبيعة.
11 – هنا تكمن معجزة الله الحقيقيّة مع الناس، التي هي، بسبب هذه النعمة الصامتة والفائقة الطبيعة مستمرّة فاعلة بصمتٍ وهدوء. نعمة تأتي من دون ضجيج، ومن دون تغيير في طبيعة الأشياء، وإلا يكون الله يناقض القوانين التي وضعها لهذا الكون، أو يكون يعمل متخطّياً حرّيّةَ الإنسان، ومتعدّياً على نظام الكائنات، وناقضاً له.
12 – لهذا، فصمتُ الله وحرّيّةُ الإنسان، ونظامُ العالم سواء، يعملون معاَ بانسجامٍ ونغمٍ كونيّ رائع.. فالله الصامتُ يحترمُ حرّيّةَ الإنسان ونظامَ العالم احتراماً عظيماً جدّاً. فهو لا يمانع، ولا يتدخّل، ولا يفرض ذاته، ولا يستعمل قدراته، ولا يلجأ إلى معجزات وخوارق. هذه هي نعمة الله الناعمة السلسة التي تنساب في الطبيعة من دون أن تزعجها، أو تغيّر مسارَها، أو تقضي عليها.
13 – لهذا يجب أن نستنتج من مسيرة الله هذه مع الإنسان، ونقول: إن الإنسانَ الصامت، في مجتمعٍ لا يعرف الحقيقة ولا يعبّر عنها إلا بكثرة الكلام، هو إنسانٌ حرّ أكثر من سواه، لا يستعبده أحد، ولا هو يستعبد أحداً. الصمتُ لغة الحرّية، وسحر الكلمة، وبحر الكلام المفيد، ولغز الوجود، وسرّ الحياة مع الله.
14 – فلولا الصمت لما كان كلام، ولما فُهم كلام، ولما استمرّ كلام، تماماً كما هو الليل بالنسبة إلى النهار، والراحة بالنسبة إلى العمل، والظلمة بالنسبة إلى النور... فلولا الليل لما كان نهار، ولولا الراحة لما كان عمل، ولولا الظلمة لما كان نور... هكذا هو الصمت بالنسبة إلى الكلام. فهل باستطاعةِ أحدٍ أن يسمع كلاماً إلّم يسبق الكلامَ صمتٌ، ويتبعه صمتٌ، ويُقال في صمت؟! وهل تخلّص ”الكلمة“ مؤمناً إن لم يصمت هذا المؤمن، ويسكت، ويصوم، ويتأمّل، ويتخلّى عن ذات ذاته حتّى الفناء؟!. فَز”الكلمة“ التي تخلّص لم تعد كلاماً وألفاظاً، بل وحياً وإلهاماً وشخصاً اسمه يسوع المسيح ابن الله الحيّ. إنّه أقنوم إلهيّ خارج من صميم الصمت.
15 – لقد كان الصمت، إذاً، في البدء، في الأساس، ولولاه لما كان ما كان... ومن هنا كان الصمتُ الفضيلةَ الرهبانيّةَ الأولى والأساس، في رأي روّاد هذه الحياة. إنّها صمت الإرادة والأميال والرغبات، وصمت اللسان والعين والأذن واليد والفم الذي يعني، فيما يعني، صوماً، لأنّ الصمت والصوم هما من جذر لغويّ واحد، ويعني الامتناع والانغلاق.
16 – لقد شدّدت القوانين الرهبانيّة في الرهبانيات جميعها، على حفظ الصمت. وعيّنتْ له أوقاتاً كثيرة في اليوم، كما حدّدتُ له أمكنةً عديدة في الدير، بل معظم الأمكنة المشتركة، كالكنيسة وبيت المائدة ، والمنامات، والمماشي الداخليّة، والغرف الخاصّة... هي أمكنة صمت. يحترمها الرهبان احترامهم للمقدّسات...
17 – وثمّة رهبانيّات في الكنيسة تنذر الصمتَ كنذر رابع أو خامس، بالإضافة إلى الطاعة والعفّة والفقر والتواضع. هي تمارسه وتقدّسه وتلتزم بموجباته. وإن كان من حاجة توجب الكلام، فإنّما يكون التعبير عنها بالإشارة والرمز لا بالكلام.
18 – ومثال ذلك هو أنّ الروح القدس، لكي يكلّم أحبّاءه، يذهب بهم إلى البرّيّة ليختلي بهم ويكلّمهم في خلوتهم. وهم يسألونه ما يريدون، فيسمع لهم ويستجيب طلباتهم.
19 – ولهذا أيضاً نجد في التقليد المسيحيّ نوعين من الصلاة: ”صلاة لفظيّة“ و ”صلاة عقليّة“. الصلاة اللفظيّة يتلوها المؤمن، وقد تعلّمها من الآباء، وورثها منهم، وقد نظّمتْها الكنيسة واعتمدتْها. أمّا الصلاة العقليّة فيقوم بها المؤمن في خلوته، وسكونه، وصمته، بينه وبين ربّه، من دون مشاركة أحد... هذه أعمق وأجدى وأفعل في تغيير الإنسان من الداخل. وهي للمتأمّلين في السماويّات، الغائصين في عالم الروح، أمّا الصلاة اللفظيّة فلتنظيم الجماعة المصلّية، وترتيب الاحتفالات الشعبيّة والصلوات العامّة.
20 – وأخيراً، وتعقيباً على هذه الخواطر في الصمت ومكانته في عالم الروح والفكر، ما كنتُ أعتقد يوماً أنّ إنساناً يعيش في خضم الحركة الفكريّة والاجتماعيّة تخطر في باله معالجة مثل هذا الموضوع، الذي لم أجد أحداً ممّن تُجبرهم قوانينُهم على عيش الصمت يقدّم لنا اختبارَه، ولا كنتُ أظنّ أنّ أعمال الدكتور صليبا تسمح له بأن يوفي الموضوعَ حقَّه، ويبرع، فيتناوله من جميع جوانبه، بدقّة وشموليّة وإتقان، وأن يرحل عبر التاريخ ليعيّن روّادَه في الكنيسة وفي الفكر العالمي.
21 – والحقّ أقول إنّ الدكتور لويس صليبا ما كان ليتجرّأ على معالجة ”الصمت في المسيحية“ لو لم يتشبّع عقله وقلبه من سحر ”الكلمة“ ومن سرّ ”المسيحية“ على السواء. فهو، بما كتب، تحدّى كلامَ المتكلّمين، وصمتَ الرهبان والزاهدين. هو الذي يحيا بين الكتب والورق والأقلام والكلام، ويعيش من التعامل معها، ويكتب السلاسل والمجموعات في كلّ علم واتّجاه. وما كان له ذلك إلا من بعد صمتٍ طويل، وتأمّلٍ عميق. وكلّ هذا من أجل أن يقدّم للناس اختبارَه وكلمتَه في أنّ الصمت والتأمّل مجديان فاعلان ومدوِّيان أكثر من الكلام، وفي أنّ ”الكلمة“ لا تفعل فعلها الخلاصيّ إلا في صميم الصمت والسكينة.
الأب جوزف قزي
كلية اللاهوت الحبرية/جامعة الروح القدس-الكسليك


فهرس الكتاب
- كتب للدكتور لويس صليبا 2
- بطاقة الكتاب 4
- الإهداء 5
- سلسلة الصمت في التصوّف والأديان المقارنة 6
- مقدّمة الأب الدكتور جوزف قزّي 7
- مدخل إلى أبحاث الكتاب 15
الباب الأول: مفهوم الصمت في الإنجيل 33
الفصل الأول: الصمت في حياة يسوع وتعاليمه 35
- حياة يسوع: صمت وبشارة 37
- صمت يسوع في مواضيع مهمّة 39
- صمت العيون في تعاليم يسوع 41
- آداب اللسان في تعاليم يسوع 42
- صمت الإرادة 45
- صمت في الآلام 45
- قيامة صامتة 49
الفصل الثاني: مسيح الإسلام: الكملة ومعلّم الصمت 51
- المسيح/الكلمة 53
- المسيح معلّم الصمت 57
- بين المسيح الكلمة ومعلّم الصمت 59
الفصل الثالث: الصمت في حياة مريم ويوسف 61
- يوسف الشاهد الصامت 63
- سيرة مريم: كلمات قليلة وصمت طويل 67
- صمت مريم في التقليد المسيحي 69
- مريم الصامتة في القرآن 75
- مريم معلّمة الصمت 77
الفصل الرابع: الصمت في سائر أسفار العهد الجديد 81
- معراج بولس اختبار صمت 83
- آداب اللسان في رسالة يعقوب 86
الباب الثاني: آباء البرّية والصمت 93
الفصل الأول: الصمت في تعاليم أنطونيوس ومكاريوس وإفرام 95
- أنطونيوس الكبير معلّم الصمت 97
صمت الحواس في تعليم أنطونيوس 101
- مكاريوس الكبير والهرب من الكلام 102
على الراهب أن يشابه الأموات في صمته 103
- مار إفرام: الصمت للراهب كالماء للسمكة 105
الفصل الثاني: الصمت في تقاليد باخوميوس ورهبانه 109
- الصمت في التقاليد الباخوميّة 112
الفصل الثالث: أرسانيوس الهارب إلى الصمت 125
- النداء الأوّل: الهرب من المجتمع 127
- النداء الثاني: الهرب إلى الصمت 129
- النداءان وتأمّل الرهبان فيهما 131
- أغاثون العامل والبائع الصامت 133
الفصل الرابع: القدّيس بيمن وكَوكبة من صامتي البرّية 137
- مَن أقفل فمه كمَن سدّ جرّة بداخلها حيّة 139
- يؤانس يصمت ثلاثين عاماً 141
- يوحنا الصامت: أربعون عاماً في العزلة والصمت 142
- موسى الحبشي: الصمت مهذّب للفكر 143
- تعلّم العمل بصمت 145
الفصل الخامس: يوحنّا السلّمي: الصمت صلاة 147
- الصمت إحدى درجات السلّم إلى الله 149
- صعوبة الكلام على الصمت 153
- أسباب الثرثرة وكيفية القضاء عليها 155
- الصمت يحفظ الطاقة وضروري كالنوم 157
- التدرّج في تعلّم الصمت 158
- الصمت والغُربة 160
- بين الصمت والصَوم 161
- الصمت صلاة ومفتاح للإلهام 163
- الهدوء المقدّس 165
- خلاصة في الصمت عند السلّمي 167
الفصل السادس:إسحق السرياني: الصمت سرّ الدهر الآتي 171
- السرياني فيلسوف الصمت 173
- الصمت يفوق الفضائل الرهبانية مجتمعة 175
- نشيد الصمت لإسحق السرياني 179
رجل الله يُعرف من سكوته 180
الفصل السابع: يوحنا الدلياتي: روحانية محورها الصمت 183
- الدلياتي: حياته ومؤلّفاته 185
- السكوت هو الحدّ بين العالَمين 189
- الملكوت صمت وفق الدلياتي والسُّروجي 185
- صمت الحواس طريق إلى الاتحاد 196
- مواهب الروح لِمَن يحفظ حواسه 201
- آخر طريق الاتحاد 203
- التمييز والفطنة في حفظ الحواس 203
- ضرورة العزلة 204
- صمت العقل وحفظ الذهن 206
- الصلاة الدائمة صمت وذهول 212
- الدلياتي: روحانية محورها الصمت 214
- خلاصة في الصمت عند آباء البرّية 215
الباب الثالث: الصمت في الكنيسة الغربية 217
الفصل الأوّل: الصمت في التقليد الرهباني الغربي 219
- القدّيس مبارك والرهبنة في الغرب 221
- قانون القدّيس مبارك والرهبنات التي تتبعه 223
الصمت في قانون القدّيس مبارك 227
- المفهوم البنديكتي للصمت 228
الصمت وارتباطه بالطاعة والتواضع 228
الثرثرة طريق إلى الخطيئة 229
الصمت لقاء مع الله 230
الصمت في تقاليد الأديار 233
الصمت الداخلي 234
- الترابيست أو رهبان السكوت 235
- الصمت في القوانين بعد القدّيس مبارك 239
- الصمت تسبيح لله وفق سيليسيوس 244
الفصل الثاني: الكارتوزيون رهبان الصمت 247
- برونو قدّيس الصمت والعزلة 251
سيرة القدّيس برونو 251
شخصية برونو تطبع رهبنته 253
- نظام حياة الرهبان الكارتوزيين 255
الجدول اليومي 255
أنظمة الصلوات والطعام 256
صومعة الراهب 258
- بنية الجماعة الكارتوزية 259
- الطقوس الكارتوزية والصمت 261
- الوحدة في حياة الراهب الكارتوزي 263
- الصمت في حياة الراهب الكارتوزي 264
1 – الصمت الخارجي 264
2 – الصمت الداخلي 265
- الكارتوزيون عنوان الثبات 267
الصمت علّة ثبات الكارتوزيين 269
- بصمتهم يحتلّ الكارتوزيون مركزاً متقدّماً في الكنيسة 270
الفصل الثالث: يوحنا الصليب والإصغاء إلى الصمت 273
- بصمت أبدي قال الله كلمته 275
- الإصغاء إلى الموسيقى الصامتة 279
- الصوت الداخلي مثل غناء الحوريات 284
- بين يوحنّا الصليب ويوحنّا الدلياتي 287
- الإصغاء إلى الصمت طريق للاتحاد 293
الفصل الرابع: تريز ويسوع الكلمة/الصمت 295
- تريز صامتة على مثال مريم 299
- تريز تقتدي بصمت يسوع 303
- الصمت هو لغة يسوع 307
- فرحي أن أبقى في الخفاء 311
- الصمت مع شقيقاتها في الدير 313
- تريز وصمت النظر 317
- التواصل الصامت 319
- تريز نموذج معاصر للصمت المسيحي 320
الفصل الخامس: الترتيل الغريغوري صدىً للصمت 323
- الترتيل الغريغوري 325
- الترتيل الغريغوي ومكانته في الكنيسة 325
- الغريغوري وتتالي الصوت والصمت 326
- الغريغوري صدى للصمت 328
الفصل السادس: الصمت في الفلسفة المسيحية المعاصرة 331
- پيكار من اليهودية والطب إلى اللاهوت المسيحي 333
- ماهية الصمت بمفهوم پيكار 334
- عالم يصمّ ضجيج الأخبار آذانه 335
- دقيقة صمت حداداً على الصمت 336
- الحُبّ خرج من الصمت 337
- الصمت يوحّد الأضداد 339
- صخب التكنولوجيا هروب من الذات 341
ملحق أول: الصمت بين التقليدَين الكاثوليكي والأرثوذكسي 343
- في الصمت وضبط اللسان 347
- صمت الحواس وكيفيّة استخدامها 352
ملحق ثانٍ: الصمت والحالة الرهبانية 357
الصمت والكلمة 359
ملحق ثالث: التصوّفَين المسيحي والإسلامي تأثر أم تشابه؟! 367
- خاتمة الدراسة 375
- مكتبة البحث 389
- فهرس الصور 403
- المحتويات 407


{vsig}Library/chris/samet{/vsig}


فهرس الصور
- الأم ماري يسوع داغريدا    18
- القدّيسة مريم وطفلها الإله يسوع    34
- إن شئت اعبر عني الكأس    46
- المسيح بيلاطس والشعب    49
- المسيح والمجدلية بعد القيامة    50
- المسيح مرفوعاً لوحة عثمانية    54
- المسيح متكلماً في المهد ومعلناً براءة أمه مريم    56
- المسيح متكلماً في المهد/جداريّة من حلب    58
- الملاك جبرائيل يظهر في الحلم لِيوسف    62
- مريم في عرس قانا    70
- مريم والمسيح في حضنها/منمنمة إسلاميّة    76
- العذراء مريم تهز النخلة/لوحة إسلاميّة    80
- العذراء مريم ترضع طفلها/لوحة إسلاميّة    82
- مريم تتفجّع بصمت على ابنها    84
- أيقونة قبطية للقدّيس أنطونيوس الكبير    86
- القدّيس أنطونيوس/لوحة في متحف كلوين – فرنسا    88
- أيقونة قبطية للقديس أنطونيوس الكبير    104
- القدّيس أنطونيوس مصلّياً في البرّية    106
- أيقونة قبطية ثانية للقديس أنطونيوس الكبير    108
- أيقونة قبطية للقديس مكاريوس الكبير    110
- أيقونة للقدّيس إفرام السرياني    113
- أيقونة سريانية للقديس إفرام السرياني    114
- القدّيس باخوميوس ورهبانه    116
- أيقونة للقدّيس باخوميوس حاملاً لقبه    126
- رهبان باخوميوس يغسلون رجل زائر    128
- أيقونة للقدّيس أرسانيوس الكبير    134
- القدّيس أغاثون    140
- أيقونة للقديس بيمن مع كَوكبة من تلامذته وإخوته الرهبان    146
- أيقونة للقدّيس موسى الحبشي    149
- القدّيس موسى الحبشي    150
- يوحنّا السلّمي/سلّم الفردوس    152
- أيقونة لِزسلّم القدّيس يوحنّا السلمي في دير القدّيسة كاترينا    156
- أيقونة للقدّيس يوحنا السلّمي    159
- القدّيس يوحنّا السلّمي    175
- لوحة للقدّيس أنطونيوس الكبير    176
- أيقونة للقدّيس إسحق السرياني    180
- أيقونة للقدّيس إسحق السرياني حاملاً شعاره    184
- القدّيس أنطونيوس    188
- القدّيس أنطونيوس، لوحة محفورة على الخشب    194
- القدّيس مبارك    228
- القدّيس مبارك والغراب الذي يحمل إليه الطعام    230
- القدّيس مبارك حاملاً قانونه    232
- لوحة لراهب بنديكتي يقرأ    237
- رهبان بندكتيون يتوجّهون إلى الصلاة بصمت    238
- راهب ترابيست يصلّي ويتأمّل في حديقة ديره    242
- رهبان ترابيست يعملون في الحقل بصمت    244
- القدّيسة كلارا    246
- القدّيسة كلارا وثمانية مشاهد من حياتها    248
- القدّيس برونو في وضعيّة الصلاة    252
- وفاة القديس برونو    256
- صومعة الراهب الكارتوزي    264
- لوحة للقدّيس يوحنا الصليبي    278
- يوحنا الصليب وتريز الأڤيلية    283
- رسم المسيح المصلوب كما رآه يوحنا الصليبي    285
- يوحنا الصليب مصغياً إلى الصمت    288
- المسيح المصلوب كما ظهر لِزيوحنا الصليب    290
- ِيوحنّا الصليب يتسلّم ثوب الكرمل    298
- تريز في الاختبار الإلهي    300
- تريز الطفلة مع أمها    302
- تريز في الثامنة    304
- تريز قبل دخول الكرمل    306
- تريز تعمل في الغسيل مع شقيقتها    308
- تريز وشقيقتها    310
- تريز في مرضها الأخير    314
- تريز تلفظ أنفاسها الأخيرة    312
- تريز بعد وفاتها    316
- تريز    318
- لوحة لِزتريز في الدير    320
- تريز مبتدئة في الكرمل    322
- تريز في الكرمل    324
- تريز على سرير الموت    326
- وجه تريز بعد وفاتها    327
- ترتيل غريغوري    328
- لوحة لِزرهبان يرتّلون الغريغوري    333
- يوسف ومريم والمسيح في حضنها    336
- راهبة في صومعتها    350
- أنطونيوس مصلّياً في البرّية    410
- كسيح يطلب شفاعة القدّيس أنطونيوس    426

شربل رفيقنا الصامت

نبذة :
يفرد الدكتور صليبا كتابه هذا في سلسلة ًالصمت في التصرف والأديانً لواحد من أكبر أبطال الصمت المعاصرين. وهو قديس لبنان الراهب الحبيس شربل مخلوف(1828-1898) وفي الكتاب يدرس الإختبار الروحي لهذا القديس والدور والموقع المحوري للصمت فيه. وقد قسّم المؤلف كتابه الى ثلاثة أقسام، أو كما أطلق عليها ًثلاثيةً. كانت ثلاث.

حملت الثلاثية الاولى عنوان ًشربل نموذجاً لتراث الصمت المارونيً. وقد بحث المؤلف في هذه الثلاثية وضمن فصول ثلاث كل من المواضيع التالية: شربل نموذجاً لتراث الصمت الماروني (نشأة النسك الماروني وتطوره، دي شاستوي ناسك جبل لبنان، الصمت في مفهوم دي شاستوي وإختباره، الموارنة شعب تجذرت فيه القيم الرهبانية، من مارون وأنطونيوس الى شربل، تراث نسكي متواصل). أما الفصل الثاني فقد دار حول شربل طفلاً ومبتدئاً صامتاً، (الصمت في طفولة شربل وشبابه، شربل مبتدئاً صامتاً، صمت شربل قوته الكبرى).

ودار الفصل الثالث حول شربل الراهب الصامت (الصمت في القوانين الرهبانية، شربل العامل الصامت، شربل الراعي الصامت، شربل راهباً وحبيساً صامتاً). وبالإنتقال الى الثلاثية الثانية: فقد خصصها المؤلف للحديث عن نذور شربل التي هي أنماط الصمت.

وجاء ذلك ضمن فصول ثلاث. دار الفصل الأول حول عفة شربل: صمت النظر والشهوات. وتناول الفصل الثاني الحديث عن فقر شربل الذي يماثل صمت الرغبات. أما الفصل الثالث فقد دار حول طاعة شربل أو بعبارة أخرى صمت الارادة لديه. وأما الثلاثية الثالثة فقد حملت عنوان: صمت شربل وإشعاعه بين الأمس واليوم وتمّ إلقاء الضوء.

ومن خلال فصول ثلاث على مواضيع ثلاث. 1-صمت شربل الذي يمثل إنخطافاً وإتحاداً. 2- ثم شربل ومتصوفو المسيحية والإسلام، وأخيراً جثمان شربل صمت صارخ. وجاءت خاتمة البحث حول صمت شربل ومغزاه في هذا العصر. وتم إلحاق الكتاب بملحقين ضم الأول منها حديثاً حول تميز في حفظ الحواس وصمتها للشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي. وتم تخصيص الملحق الثاني للحديث عن الصمت إقتداءً بالمسيح

.



عنـوان الكتاب : شربل رفيقنا الصامت
حكاية قداسة عنوانها الصمت

المؤلّف/ المترجم Auteur: د. لويس صليبا Dr. Lwiis T. Saliba
أسـتاذ وباحـث فـي الأديـان المقارنـة/باريـس
Titre : Charbel notre compagnon silencieux
مقدّم الكتاب : الأب جوزف قزّي
أسـتاذ فـي كلّيـة اللاهـوت الحبريـة/الكسليـك
عنوان السلسلة : الصمت في التصوّف والأديان المقارنة 5
عدد الصفحات : 240 ص
سنة النشر : 2009
تنضيد وإخراج داخلي : صونيا سبسبي
التوزيع : المكتبة البولسية
بيروت: 448806/01 - جونية: 911561/09 - زحلة: 812807-08
الناشر : دار ومكتبة بيبليون
طريق المريميين – حي مار بطرس- جبيل/ بيبلوس ، لبنان
 Byblion1@gmail.com
2009 - جميع الحقوق محفوظة

مقدمة الأب الدكتور جوزف قزي
أستاذ في كلية اللاهوت الحبرية/جامعة الروح القدس-الكسليك
باحث ومؤلّف في الدراسات الإسلامية والتاريخ الكنسي
صمت شربل
إن حبّ الصمت والعزلة قاد شربل إلى الرهبانية، وليس العكس، يقول مؤلّف الكتاب (ص 51). هذا صحيح. ومبدأ سليم، لأن الصمت، بحدّ ذاته، صفة إنسانيّة راقية، وسلوك اجتماعي سامٍ، وفضيلة مسيحيّة مميّزة. والحياة الرهبانيّة توفّر، أكثر من سواها، الأجواء الملائمة لنموّ هذه الفضيلة وهذا السلوك.
إننا نتساءل دائماً، عندما نغوص في التأمّل في سيرة القدّيسين، وفي تتبّع مراحل حياة طالبي الكمال، ومريدي العيش مع الله والاتحاد به، نتساءل دائماً عمّا إذا كان الصمت، حقاً، أجدى من الكلام في سلوك طريق القداسة، في الوقت الذي عرّفنا اللهُ عن نفسه بأنه ”الكلمة“ الناطقة التي تُعطي الكائنات معانيها.
أما آن لنا أن نفكّر عمّا إذا كانت فضائل الأمس تستطيع أن تبقى فضائل اليوم:
فهل ينذر الراهبُ ”الفقر“، أي أن يعيش فقيراً، محتاجاً، من دون مال، بدل أن ينذر لمساعدة الفقراء، وقد جاء المسيح، في أهمّ ما جاء له، ليساعد المساكين.، ويهتمّ بالمحتاجين.
هل ينذر الراهبُ اليوم حقّاً ”العفّة“، أي قهر رغبات النفس وضبط أميال الجسد، بدل أن يتحمّل مسؤوليات العَيْلة وتربية الأولاد وإعداد أجيال صالحة للبشرية!.
أينذر الراهب اليوم حقاً ”الطاعة“، أي أن يتخلّى عن مشيئته الشخصيّة، ويرهن إرادته بإرادة رئيسه، ولا يقوم بأيّة مبادرة شخصيّة، بدل أن يقتحم الصعاب، ويقوم بالمبادرات، ويقيم المشاريع، ويبني للمجتمع مؤسسات تنمية وترقية، كما فعل ”بونا يعقوب“!.
والشيء نفسه يُقال عن الصمت، هذه الفضيلة التي تعتبرها بعض الرهبانيّات نذراً كسائر النذور. هذا الصمت، هل هو اليوم حقّاً فضيلة إنسانيّة يعمل الراهب لتنميتها والتمسّك بها على أنها تزيده قداسة وتفيده حبّاً لله ولإخوته البشر؟
إن حبّ الحياة الرهبانيّة قاد شربل إلى القداسة، وليس العكس، لأن القداسة إنّما كان باستطاعة شربل أن يحصل عليها في أيّ مكان وفي أيّ حال.. غير أنه شاءها أن تكون كما عاشها: في الدير، في المحبسة، في العمل، في الصمت والصلاة والزهد والتقشُف وقهر النفس.
فمن عزلةٍ تكاد تكون تامّة في حياة خفيّة تكاد تكون منسيّة، تلألأت قداسة شربل، وانتشر إشعاعها، وفاضت محبّته على العالم، حتى أصبح، انطلاقاً من محبسته، أكبر سكّان الأرض فعلاً ومحبّةً وخيراً للعالَم الذي ابتعد عنه ليلقاه في مكان آخر، أي ليجده في أحضان الله مقدّساً.
لقد عرف شربل كيف يتعامل مع ”المطلق“، مع ”الكلمة“، لا مع الكائنات ولا مع كلام البشر. لهذا آثر الخروج من عالم الكلام إلى مَن هو ”الكلمة“، أي إلى مَن هو الذي يُغني عن النسبيّات والكلمات، أي إلى التكرّس التام لله الذي لا يُلهي عنه شيء في الوجود.
فالصمت الذي رصف عليه شربل سائر ما تحلّى به من فضائل ومميّزات هو أساس البنيان، هو ركن قداسته، وقاعدة تكرّسه لله. بهذا استطاع أن يشمل الجميع بمحبّته، لأنه كان صامتاً، لا يميّز أحداً عن أحد، ولا يطرب لمديح مادح، ولا ينفعل لقدح قادح.
هذا الصمت هو الذي ساهم في أن يقدّس شربل نفسه بجدّية، ويقدّس معه إخوته، ومجتمعه، والعالم أجمع، ذلك لأن شربل لم يضيّع وقتاً ذهبياً فيه يمسّ قلب الله، وينهل من ينابيع المحبّة والوجود.
صاحب كتاب ”شربل رفيقنا الصامت“، بل صاحب سلسلة كاملة من كتب في ”الصمت في التصوّف والأديان“ وقد ظهر منها، حتى الآن، خمسة كتب، الدكتور لويس صليبا، عرف أن أساس القداسة في المسيحيّة هو ”الصمت“. أي الانقطاع التامّ عن النسبيّ للولوج في سرّ المطلق.
مَن يريد ألاّ يضيّع وقتاً في حياته القصيرة هذه، عليه أن يذهب مباشرة نحو الهدف، إلى القِمّة، إلى حيث النور والحبّ والجمال والكمال.. هذه لا يصلها أحدٌ وهو يتلهّى بين الكائنات، ويتسلّى في النسبيّات، ويتلاعب في تدبيج الكلمات...
قلّة هم الذين عرفوا تمييز الجوهر من الأعراض، وقلّة أكثر هم الذين يقصدون الهدف الأسمى مباشرة. والدكتور لويس هو من هؤلاء الذين اكتشفوا سرّ القداسة والقدّيسين في المسيحيّة، وعرف أن الحياة الرهبانية برمّتها تختصرها كلمة ”صمت“.
لهذا كان عنوانه المفضّل لأعاظم قدّيسينا اللبنانيّين:”شربل رفيقنا الصامت“. فهو حقّاً ”رفيقنا“، لأننا نستطيع أن نرافقه ونلحقه إلى حيث هو، وهو ”الصامت“، لأنه اختصر حياته مع الله بتخطّي الكلمات والجزئيّات والنسبيّات، والرحيل توّاً إلى الينبوع، إلى المطلق، إلى ”الكلمة“ لا بواسطة ”الكلام“ بل بواسطة ”ترك الكلمات“ أي بواسطة ”الصمت“.
الأب جوزف قزي
كلية اللاهوت الحبرية/جامعة الروح القدس-الكسليك


مدخل إلى أبحاث الكتاب
هذا السِفْر الجديد من سلسلة ”الصمت في التصوّف والأديان“ نفرده لواحد من كبار أبطال الصمت المعاصرين. إنه قدّيس لبنان الراهب/الحبيس شربل مخلوف (1828 – 1898)، وفيه ندرس الاختبار الروحي لقدّيسنا اللبناني والدور/الموقع المحوري للصمت فيه.
وثمّة سؤال بديهي يُطرح هنا، فبعد العرض الموسّع في الجزء الرابع للصمت في المسيحية، ما الذي يضيفه اختبار شربل إلى ذلك؟ وما هو مبرّر عرض سيرة هذا القدّيس من زاوية اختباره للصمت؟ أليس في ذلك عود على بدء؟! ورجوع إلى تقاليد الصمت في كنائس المشرق التي بحثت في ”الصمت في المسيحية“! ولمَ هذا الحجم المكرّس لاختبار شربل، والذي يقارب ما خصّص للصمت في كنائس المشرق برمّته؟! وما الذي يُقال في ناسك عاش بصمت، وعاش الصمت. يقول الأب جوزف قزّي ملخّصاً إشكالية الكتابة عن الحبساء:«إذ شئت أن تكتب سيرة أحد القدّيسين النسّاك، فإنك تعجز أن تكتب ما تملأ به صفحة واحدة من كتاب، حياة النسّاك ولو بلغت خمسين عاماً، هي هي كأنها يوم واحد»( ).
لا شكّ أن للعامل الذاتي دوره في الوقفة الطويلة هذه عند شربل. لم أعرف هذا القدّيس شخصياً بالطبع، ولكنني وُلدتُ وعشتُ في المنطقة التي عاش فيها وقضى كامل حياته الرهبانية أي جبيل. وهذا القرب الجغرافي يسّر لي ارتباطاً روحيّاً عميقاً مع مقام شربل ومطارحه. فمنذ الصِغَر تعوّدت على زيارات شبه دورية لضريحه ومحبسته... وخَبِرت، عن قرب، كم أن حضوره لمّا يزل فاعلاً وبيّناً.
لم تكُن العجائب والكرامات التي اجترحها، على أهميّتها، محوَر اهتمامي وانتباهي. ولكن الجوّ الروحي الذي يفعم زائر المقام كان هو في الغالب موضع هذا الاهتمام. حضور قدسي مهيب يشعر به الإنسان، وقد يصعب عليه التعبير عنه، لاتصاله باختبار داخلي فيما وراء الظاهر والمحسوس. ولم أشكّ يوماً أن لصمت شربل الطويل دوره الحاسم في دوام هذا الحضور واستمراره. وأذكر هنا حِواري مع أستاذي الباحث/المتصوّف روبير كفوري. إذ قلت له يوماً أن منطقتي (قضاء جبيل) ربّما تكون الوحيدة التي لم تكتوي بنار الحرب اللبنانية الطويلة 1975 – 1990. فأجاب، قد يعود الفضل في ذلك إلى صمت شربل. وليس أستاذي كفوري هو الوحيد ممّن يعتقد ذلك. فكثير من أهالي هذه المنطقة شعروا ويشعرون أنهم في حِمى شربل وحمايته. ويصعب بالطبع التأكّد حسّياً من واقعيّة هذا الشعور. فالأمر، إذا صحّ، يتعلّق بظاهرة خفيّة صامتة. ولكنها، في أية حال، مؤشّر لرسوخ صمت شربل واستمرارية حضوره.
لا شكّ أن تفاعلي مع صمت شربل واختباري لحضوره كان عاملاً مشجّعاً للخَوض في بِحار صمت هذا الوليّ واختباره الروحي. فقد أتاح لي شعوراً محبّباً ومريحاً بأنني أدرس ظاهرة روحية من الداخل، دراسة ليست بِبَعيدة عن ذات الباحث، ولا هي جافة. وإن لم تجافي الموضوعية.
ولكن العامل الذاتي هذا، لم يكُن هو الحاسم في اختيار الموضوع. فشربل، لقربه الزمني والمكاني منّا، تتيح لنا معرفة الكثير من تفاصيل حياته، ما لا يتيحه نقص الوثائق والمعلومات بشأن سِيَر آباء البرّية، أو فقدانها، وضياع الكثير منها بمرور الزمن.
ولنوضح هذه النقطة نظراً لأهمّيتها في اختيارنا للموضوع وفي منهجية البحث في آن. لقد تبيّن لنا في الدراسة أن الصمت كاختبار روحي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسائر الفضائل والنذور الرهبانية. ولا يمكن بالتالي البحث فيه بمعزل عنها. لا بل يمكننا أن نفهم النذور الرهبانية كالطاعة والعفّة والفقر كأنواع وعناصر من الصمت النبيل. الطاعة صمت للإرادة الذاتية والعفّة صمت للنظر والشهوة.... إلخ. ولكننا لو أردنا دراسة الصمت من هذا الجانب عند مختلف الآباء والقدّيسين الذين تناولناهم لطال البحث وتشعّب من ناحية، ولأعوَزتنا من ناحية أخرى، تفاصيل وأحداث كثيرة من سِيَرهم نجهلها أو لا نستطيع التدقيق في صحّتها. ومعلوم كم يدخل سِيَر القدّيسين من أخبار وحكايات Hagiographie هي أقرب إلى الأساطير والخيال منها إلى الواقع. أما شربل فقربه الزماني/المكاني يتيح لنا مزيداً من التحقّق والفصل في الكثير مما يروى عنه. لا سيما متى أخذنا الرواية عن شهود عيان رافقوه وعاصروه، ووثّقت شهاداتهم في محاضر لجان دعوى التطويب... الخ.
والحكاية Anecdote كانت في بحثنا موضع اهتمام يسبق ما أوليناه للأقوال والتعاليم. فانتباهنا مركّز بشكل أساسي على الاختبار: اختبار الصمت وعَيشه، لا الدعوة إليه. فأبطال الصمت في المسيحية وغيرها علّموه بالقدوة والاختبار قبل الموعظة. وما تحدّثوا عنه إلا انطلاقاً من خبرتهم الذاتية مع يقينهم ومعرفتهم بعجز الكلام عن نقل كامل أبعاد اختبار كهذا. لذا فقد اجتهدنا، غالباً، في إظهار كيف عاشوا الصمت. وشخصيّة شربل تقدّم لنا مثالاً لافتاً وأصيلاً. فهو لم يكتب، لم يعلّم، لم ينقل حتى اختباره، لقد صمت وكفى.. عاش اختباره الروحي بصمت، واختبر عّيشة الصمت. لم يترك وراءه مؤلّفات أو أعمالاً خيريّة وعمرانية تتحدّث عنه وتذكّر به. لم يترك سوى صمته.«ومعجزته الكبرى تبقى أن صمته أثار كل هذا الكلام»( ) يقول العلاّمة الأب ميشال حايك. ولكن صمت شربل قد يطرح إشكالية أخرى في نطاق البحث. فإذا كان هو قد غرق في صميم السرّ وسكت، فما الذي يستطيع، الآخر قوله عن اختبارٍ صَمَتَ صاحبه عنه؟!
ولكننا إذا دفعنا التساؤل إلى أقصاه قد نصل إلى نتيجة من نوع وما الذي يُقال في اختبار الصمت غير الصمت؟ أكان القائل صاحب الاختبار أم شاهداً عليه. ما يقوله الشهود غالباً هو نتائج الاختبار وانعكاسه على حياة صاحبه وعلى محيطه. ولكنه، في أية حال، يبقى مهماً كمؤشّر على عمق الاختبار وأصالته.
تبقى إشكالية أخرى بشأن أقوال الشهود: ما الذي يؤخذ به؟ ومن أية مصادر؟!
المصادر عن سيرة شربل ليست كثيرة، وإن تعدّدت الكتب التي رَوَت حياته وعجائبه. وتكاد المصادر هذه تنحصر في أربعة، ذُكرت في مكتبة البحث وهي كتب الآباء: ليباوس داغر، أنطونيوس شبلي، منصور عوّاد، وأخيراً حنّا اسكندر. الأوّل هو الوحيد الذي عاصره وعرفه. في حين أن الثاني هو أوّل مَن جمع شهادات عنه ووثّقها بمنهجية المؤرّخ وخبرته. أما الثالث فكان المحامي الكنسي في دعوى التطويب. كتاب داغر غير مخصّص لشربل. ولكن أهميته تعود إلى أنه ظهر في العشرينات من القرن الماضي قبل اشتهار ظاهرة عجائب شربل في الخمسينات. فهو ينقل عنه انطباعاً هو الأقرب إلى زمنه، لا سيما وأنه عرفه شخصياً. وميزة كتاب شبلي أنه ينقل شهادة كلٍّ من المعاصرين بكاملها ودون تجزئة. فالصورة التي رسمها كل شاهد لشربل تظهر فيه واضحة المعالم متكاملة وتمكّن بالتالي من الحكم على أهمّية كل شهادة ومصداقيتها. والخوري منصور عوّاد، بحكم موقعه، يركّز على حيثيات دعوى التطويب. وقد أتاح له هذا الموقع الإطلاع على محاضر جلسات لجنة التطويب وما أدلى معاصرو شربل أمامها من شهادات. وهو وإن لم ينقل هذه الأخيرة بنصوصها الكاملة، مكتفياً باختيار ما يناسب منها موضوعه، فقد أورد الكثير مما لم يرد قبله.
يبقى المصدر الرابع. وهو كتاب الأب حنا اسكندر الصادر عام 2006. وقد بذل هذا الأخير جهداً مشكوراً في تجميع كافة الشهادات التي أُدليت أمام لجنة دعوى التطويب. ولكنه لم ينشرها بنصوصها الكاملة، بحجّة ما فيها من تكرار. بل عمل فيها تقطيعاً وتبويباً بطريقة حاول فيها أن يقصّ سيرة شربل على لسان معاصريه. متناولاً بالأخصّ فضائله الرهبانية: الصمت والطاعة والعفّة والفقر... إلخ. كلٌّ في فصل مستقل. ولسنا هنا بصدد الحكم على طريقة الأب اسكندر ومنهجيته ودقّتها وعلميتها. ما يهمّنا أنه وفّر لنا عن شربل الكثير من الشهادات المعاصرة التي لا نجدها في مصدر آخر، وإن أتت أحياناً مبتورة ومجتزأة.
وقد عدنا في عملنا إلى المصادر الأربعة هذه، من دون أن نهمل الاطلاع على أيّ مرجع آخر تناول سيرة شربل. واجتهدنا في تقديم صورة عن صمت شربل برواية الأقرب والأكثر وثوقاً من معاصريه، علماً أن عملنا ليس توثيقياً ولا متخصّصاً في نقد الروايات. ما يعفي من العودة إلى محاضر الجلسات والشهادات الأصلية.
وقد حَضَرنا في دراستنا لشربل رأي القدّيس إسحق السرياني المذكور في كتاب الصمت في المسيحيّة والقائل لو وضع الصمت في كفّة، وسائر الفضائل في أخرى لرجحت كفّة الصمت. وفهمنا هذه المقولة من زاوية أن سائر الفضائل والنذور أشكال وجوانب من الصمت النبيل، والذي لا يقتصر على الامتناع عن الكلام كما أوضحنا في متن الدراسة. وصمت شربل نخاله أحياناً منظاراً أو مجهراً يتيح لنا رؤية سائر فضائله بطريقة أكثر جلاءً وواقعية في آن.
والجانب المقارن لم يغب في مقاربتنا لشربل ولا لسائر الشخصيات التي ندرس. فربطنا قدّيسنا اللبناني أوّلاً بتراث النسك والصمت المشرقي، لا سيما الماروني منه. ولهذا الأخير ميزات وخصائص ضمن التراث الرهباني في الشرق تناولناها في الفصل الأوّل.
واختبارات المتصوّفة في مختلف الأديان تتشابه، بل وتتلاقى. فهم منارات وحدة وتوحيد بين الثقافات والأديان. يجمعون المتعدّد ويوحّدونه، في حين يعدّد اللاهوتيون وعلماء الكلام الواحد ويفرّقونه. فحيث التقى آباء البرّية، أو آخرون ممّن تناولنا من صوفيي المسيحية، مع غيرهم من السالكين والمتحقّقين أشرنا إلى ذلك وتوقّفنا عنده. ومنهجيتنا المقارنة في البحث في الأديان، سبق وتناولناها في مقدّمات عدد من الكتب وآخرها: ”ديانة السيخ“ بين الإسلام والهندوسية( ) و ”المعراج من منظور الأديان المقارنة“( ) فنحيل إليها تحاشياً للتكرار.
وأخيراً المؤلّفات عن شربل عديدة في المكتبة العربية، وبعضها يأخذ عن بعض، أو حتى يكرّر غالباً. فما الذي يبرّر ظهور سفر جديد في الموضوع عينه؟ وما الذي يحمل من جديد؟
أبرز ما في مصنّفنا، رؤية سيرة شربل وفضائله من منظار واحد وأساسي هو الصمت. ولا نغالي إذا قلنا أن هذه السيرة والفضائل، أو بكلمة هذه الروحانية تتمحور بشكل أساسي حول الصمت بمفهومه الواسع: الصمت النبيل، كما أوضحنا في الدراسة.
هذا أولاً، والميزة الثانية لمؤلَّفنا هو مقاربة شربل من زاوية مقارنة. مثل دراسة روحانية شربل على ضوء تعاليم الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي (القرن السابع). أو وجوه الشبه بين سيرة شربل وسِيَر وتعاليم بعض متصوّفة المسلمين لا سيما منهم أبي يزيد البسطامي (ت 261 ﻫ/874م).
إنه جانب يستحقّ الوقفة والاهتمام. فاختبار الواحد يوحّد بين المختبرين، لا بل يكاد يكون واحداً على اختلاف الأمكنة والأزمنة والأديان إلخ...
مقارنات أخيرة، لا بدّ من الإشارة إليها، إنها بين شربل ومواطنه الطوباوي اللبناني الجديد الأب يعقوب الكبوشي (1875 – 1954). لِمَ المقارنة بين الإثنين؟ أبسبب حدث التطويب الذي ملأ لبنان فرحاً، وزاده قداسة؟! بالطبع لا، وإن كان هذا الحدث قد ذكّرنا بقدّيس لبناني آخر.
في الحقيقة إن المقارنة بين هذَين القدّيسَين اللبنانيَين مغرية ومجدية. وتساهم في فهم روحانية كلٍّ منهما تمايزاً وتشابهاً في آن. كلاهما لبناني. وماروني ومعاصر. ولكن كلاًّ مثّل نموذجاً مختلفاً في القداسة: شربل مثال الحبيس والراهب المتوحّد. وبونا يعقوب مثال الراهب المرسل الخائض في مشاكل مجتمعه بحثاً عن حلول لها.
ومع هذا الاختلاف فالروحانيتان تلتقيان في أمور وتتمايزان في أخرى. وهذان التمايز والالتقاء دليل تعدّدية ووحدة جوهر في آن في التصوّف المسيحي وتعاليم الكنيسة. ولا سيما في المسيحيّة المشرقيّة واللبنانية بشكل أخصّ. ورغم اختلاف حياتهما، يلتقي شربل وبونا يعقوب، كما نرى في الصفحات التالية في نقل رسالة الصمت إلى إنسان اليوم.
وبعد فكتابي هذا عن شربل، كان لي بمثابة نذرٍ لهذا الولي والرفيق الحبيب. وها أنا الآن أفيه.
ويسرّني أن يحمل كتابي الفضّي (الخامس والعشرين) ما هو أثمن من الفضّة. إنه ذهب من صمت شربل.
فها أنا أصرف كلامي والذي في أحسن الحالات لن يعدو كونه من فضّة، أصرفه بذهب صمت شربل. على أمل أن لا أكون الرابح الوحيد من عملية الصرف هذه. بل أن يجني القارئ من صمت شربل ذهباً إبريزاً لحياته... ومماته.
وكفاني كلاماً.. . فإلى صمت شربل.
Q.J.C.S.T.B
السوربون/باريس
في 22/06/2008
يوم تطويب أبونا يعقوب الكبّوشي


المحتويات
- إهداء 5
- سلسلة الصمت في التصوف والأديان 6
- مقدّمة الأب الدكتور جوزف قزّي 7
- مدخل إلى أبحاث الكتاب 13
الثلاثية الأولى: شربل نموذحاً لتراث الصمت الماروني 25
الفصل الأول: تراث النسك والصمت الماروني 27
- نشأة النسك الماروني وتطوّره 29
- دي شاستوي ناسك جبل لبنان 31
- الصمت في مفهوم دي شاستوي واختباره 34
- الموارنة شعب تجذّرت فيه القِيَم الرهبانية 41
- من مارون وأنطونيوس إلى شربل تراث نسكي متواصل 42
الفصل الثاني: شربل طفلاً ومبتدئاً صامتاً 45
- الصمت في طفولة شربل وشبابه 47
- شربل مبتدئاً صامتاً 51
- صمت شربل قوّته الكبرى 55
الفصل الثالث: شربل الراهب الصامت 57
- الصمت في القوانين الرهبانية 59
- شربل العامل الصامت 66
- شربل الراعي الصامت 72
- شربل راهباً وحبيساً صامتاً 79
- صمته ينير القبر 90
الثلاثية الثانية: نذور شربل أنماط من الصمت 93
الفصل الأوّل: عفّة شربل: صمت النظر والشهوات 95
- العفّة وصمت العيون 97
- عفّة جذرية لا تستثني الأم 98
زيارة أم القدّيس تادرس له 99
زيارة أم القدّيس بيمن له 101
- شربل وصمت العيون 103
- شربل الهارب من النساء 107
- شربل ليس عدائياً مع النساء 109
- شربل يلغي المؤنث من قاموسه 110
- العفّة والمرأة بين شربل وبونا يعقوب 113
الفصل الثاني: فقر شربل: صمت الرغبات والتعلّق 117
- شربل لا ينظر إلى العملة ولا يلمسها 119
- شربل لا يفهم في أنواع العملة 122
- الراهب كالميّت لا يرث ولا يورّث 123
- الفقر من شربل إلى بونا يعقوب 124
الفصل الثالث: طاعة شربل: صمت الإرادة 127
- الطاعة الملائكية 129
- التخلّي عن الذات والإرادة 130
- الطاعة للخدّام والعلمانيين 132
- طاعة طفل من غير صراخ 133
- طاعة لا تعرف الهزل والمزاح 135
- طاعة حكيمة تستثني المعاصي 137
- الطاعة عند شربل وبونا يعقوب 139
الثلاثية الثالثة: صمت شربل وإشعاعه بين الأمس واليوم 141
الفصل الأوّل: من الصمت إلى الانخطاف والاتحاد 143
- صلاته صمت وصمته صلاة 145
- انخطافه صمت للقلب 148
- شربل صديق الطبيعة والكائنات 151
- فطنة شربل رفيقة لصمته 156
الفصل الثاني: شربل ومتصوّفو المسيحية والإسلام 159
- شربل وآباء البرّية 161
- شربل والروحانيّة الغربيّة 166
- شربل ومتصوّفة المسلمين 168
- شربل بين الشيعة والدروز 171
- إلى القدّيس شربل من الشيخ الدرزي خليل أبو حمزة 173
- بشربل إيماني لا يتزعزع 175
الفصل الثالث: جثمان شربل صمت صارخ 177
- جثمان يشعّ ويتعرّق 179
- التمثيل بجثمان شربل 180
- عرض الجثمان ومعالجته بالكلس 182
- جثامين القدّيسين في أبحاث عالِم مسلم 184
- الصمت المدوي 187
خاتمة البحث: صمت شربل ومغزاه في عصرنا 189
- صمت شربل قدوة لنا 191
- الإصغاء إلى صمت شربل 193
- صمت في ربوع شربل 198
- حضور صامت 201
الملاحق 203
ملحق أوّل: مَيْمَر في حفظ الحواس وصمتها للشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي 205
ملحق ثانٍ: الصمت اقتداءً بالمسيح 213
- في تجنّب الكلام النافل 217
- في حُبّ العزلة والصمت 218
- في سهولة الزلل في الكلام 221
مكتبة البحث 223
فهرس الصور 231
المحتويات 235


{vsig}Library/chris/charbel{/vsig}


فهرس الصور
- الأب فرنسيس صليبا    5
- شربل الفتى مع خالَيه الحبيسَين    8
- شربل متأمّلاً    18
- شربل حبيس عنّايا    28
- لوحة لشربل    30
- شربل ناسك جبل لبنان    32
- القدّيس مارون ممارساً نوعاً جديداً من الإماتة    33
- إحدى مغاور النسّاك في قنّوبين    34
- صومعة راهب في دير قنوبين    37
- مشهد لوادي قنوبين وعدد من مغاور النسّاك    39
- مغاور مارينا من الداخل وهي ضريح لعدد من البطاركة    42
- مارينا والصبي أمام المغارة ودير قنوبين    44
- فرنسوا دي شاستوي ناسك جبل لبنان    46
- صفحتان من كتاب حياة فرنسوا دي شاستوي    48
- غرفة الناسك فرنسوا دي شاستوي في دير مار أليشاع    50
- دير مار اليشاع/وادي قنوبين    54
- الأب داريو يقرأ الإنجيل    58
- ضريح الناسك فرنسوا دي شاستوي    58
- لوحة تجمع رموز التراث الرهباني الماروني    60
- مغاور قنوبين أو وادي القدّيسين    62
- شربل الكاهن رافعاً القربان    66
- شربل الشاب الباحث بصمت عن الله    68
- شربل يصلي بصمت وخشوع في المغارة    70
- شربل بريشة ﭙول غيراغوسيان    78
- شربل عمله صمت وصلاة    80
- شربل وسط هذه الصورة وقد ظهر بطريقة عجائبية    87
- شربل العامل الصامت    89
- شربل الحبيس يعمل في معصرة المحبسة    92
- لوحة لِزشربل مصلياً في المحبسة    102
- شربل قارئاً للكتاب المقدّس    105
- نموذج من خط شربل الحبيس    107
- حجرة شربل في محبسة عنايا    109
- وفاة شربل/لوحة زجاجية    118
- شربل في مشاهد من حياته    120
- شربل الراعي الشاب مصلياً في المغارة    122
- شربل/لقاء صامت مع أمه على أمل اللقاء في السماء    125
- بونا يعقوب مع أمه شمس وابنَي أخيه    144
- شربل حبيس عنايا على خطى المسيح    146
- رفض شربل دائماً الاحتفاظ بالعملة    148
- شربل مصلّياً قرب المحبسة    156
- شربل مصلياً في الحقل    158
- قيد وفاة شربل عن رزنامة دير مار مارون عنايا    160
- أرض شربل مقدّسة    172
- القدّيس شربل/لوحة زجاجيّة    174
- سراج شربل الذي أضاء بالماء    176
- أعجوبة الصاعقة صمت القلب وتوحّد مع الكون    182
- القدّيسة تقلا بين الأسود    184
- شارل دي فوكو في آخر صورة له    188
- محبسة شربل من الخارج    194
- القدّيس أنطونيوس الكبير    196
- مخطوطة أولى/يوحنّا الدلياتي    200
- مخطوطة ثانية/يوحنّا الدلياتي    201
- أيقونة لشربل في معبد هندوسي    208
- منديل مسح به وجه جثمان شربل    218
- الأب يوسف الكفوري نازع إمعاء شربل    221
- سابا موسى الطبيب العربي    223
- جثمان شربل يوم عرضه في آب 1952    224
- الشرشف الذي وضع عليه جثمان القدّيس شربل    226
- شربل وصلاته في قدّاسه الأخير    234
- الطوباوي يعقوب الكبّوشي    238
- رحل بصمت ووري الثرى بصمت    240
- محبسة شربل كما تبدو اليوم    241
- شربل ممجّداً مع المسيح والعذراء    244
- فراش شربل في حجرته    248
- شربل لنهاد الشامي    250
- شربل لنهاد الشامي بعد العملية    250
- السيدة نهاد الشامي تصلي في عنّايا    267
- دير مار مارون ضريح شربل    270
- وفاة القدّيس أنطونيوس    276
- سراج شربل/لوحة زجاجية    278
- صورة شهادة عماد بخط شربل في الدير    288
- دير مار أنطونيوس    288
- شربل: سراجه والكتاب    311
- القديس شربل    312
- شربل كأرز لبنان    322
- شعار تطويب شربل    326

مقامات الصمت والمدن المقدّسة

نبذة:
لا بد لقارئ هذا الكتاب من أن يدرك، وبسرعة، أنه في حضرة نصوص ليست من المألوف بشيء، أما سبب البعد هذا، فيعود إلى موضوعها الرئيسي، ألا وهو الصمت، وسيلاحظ القارئ، بسرعة أيضاً، أنه لا يتعامل مع خواطر واعتبارات وقصائد عن الصمت، لمعنى أن الصمت قد يغدو موضوع دراسة. ولكن، وبالأحرى فإن صفحات هذا السفر مستوحاة هي من الصمت التأملي، ومنثقة منه، فأنشودة الصمت الرائعة، مثلاً، ليست قصيدة مكتوبة لنستحضر الصمت، كما نصف شيئاً ما، إنها نشيد للصمت، بمعنى أنه صادر عن ذاك الفضاء الداخلي المتولد، هو نفسه من اختبار سكون النفس.
والأنشودة هذه تترجم حالاً للروح تفقد فيها الكلمات وظائفها العادية. ففي الحياة اليومية، تنقل الكلمات اختبارات شائعة مثل: "حلمت حلماً جميلاً" كان الطعام ممتازاً، إنها جمل تنقل أنباء "مألوفة عند القائل والسامع معاً، فكلاهما يحلم، يأكل ويفكر مراراً".


عنـوان الكتاب : مقامات الصمت والمدن المقدّسة
ويليه ملحق في الصمت واليوغا
المؤلف : د. لويس صليبا
أستاذ وباحث في الدراسات الإسلامية والهندية/ باريس.
عنوان السلسلة : الصمت في التصوّف والأديان 1
مقدّم الكتاب : المستشرق البروفسور بيير لوري
أستاذ ومدير أبحاث في التصوّف في جامعة السوربون/ باريس
الصور الفوتوغرافية : غالبيتها بعدسة المؤلّف
عدد الصفحات : 260 ص
سنة النشر : 2008
تنضيد وإخراج داخلي : صونيا سبسبي
الطبـاعـة : مطابع دار ومكتبة بيبليون
التجليـد الفنـي : تراث للتجليد
بيروت 453456/01
الناشر : دار ومكتبة بيبليون
طريق المريميين – حي مار بطرس- جبيل/ بيبلوس ، لبنان
Byblion1@gmail.com
2008 - جميع الحقوق محفوظة
مقدّمة المستشرق البروفسور بيير لوري
Préface de Pierre LORY
لا بد لقارئ هذا الكتاب من أن يدرك، وبسرعة، أنه في حضرة نصوص ليست من المألوف بشيء. أما سبب البُعد هذا، فيعود إلى موضوعها الرئيسي، ألا وهو الصمت. وسيلحظ القارئ، بسرعة أيضاً، أنه لا يتعامل مع خواطر واعتبارات وقصائد عن الصمت، بمعنى أن الصمت قد يغدو موضوع دراسة. ولكن، وبالأحرى، فإن صفحات هذا السفر مستوحاة هي من الصمت التأملي، ومنبثقة منه. فأنشودة الصمت الرائعة، مثلاً، ليست قصيدة مكتوبة لتستحضر الصمت، كما نصف شيئاً ما. إنها نشيد للصمت، بمعنى أنه صادر عن ذاك الفضاء الداخلي المتولّد، هو نفسه، من اختبار سكون النفس. والأنشودة هذه تترجم حالاً للروح تفقد فيها الكلمات وظائفها العادية. ففي الحياة اليومية، تنقل الكلمات اختبارات شائعة مثل: ”حلمت حلماً جميلاً“، ”كان الطعام ممتازاً“، ”الفلسفة هذه متشائمة“. إنها جُمل تنقل أنباءً مألوفة عند القائل والسامع معاً. فكلاهما يحلم، يأكل ويفكّر مراراً.
PREFACE
Le lecteur du présent ouvrage se rendra rapidement compte qu’il va à la rencontre de textes qui ne sont en rien ordinaires. Le motif de ce décentrement en est le thème central – à savoir le silence. Le lecteur s’apercevra vite qu’il n’a pas affaire à des considérations, des réflexions, des poèmes sur le silence, en ce sens que le silence serait ici un objet d’étude. Les pages du présent ouvrages sont bien plutôt inspirées par le silence méditatif, elles s’originent en lui. Le magnifique Cantique du silence (Unshûdat al-samt) par exemple n’est pas un poème écrit pour évoquer le silence comme on décrirait un objet. C’est un cantique du silence en ce sens qu’il provient de cet espace intérieur, qu’il est né lui-même de l’expérience de la quiétude de l’âme ; il traduit un état de l’esprit où les mots n’ont plus leur fonction ordinaire. Dans la vie courante, les mots transmettent des expériences communes : « j’ai fait un beau rêve », « le repas était excellent », « cette philosophie est pessimiste » sont des phrases transmettant des informations connues par le locuteur comme par celui qui l’écoute. L’un comme l’autre rêvent, mangent, réfléchissent souvent.
أما بالنسبة لهذا الكتاب فالوضع مختلف. فمن النادر جدّاً أن نجد في مدننا الكبيرة المضطربة أناساً خبروا بعداً من أبعاد الصمت الداخلي. فالأمر لا يتعلّق إذاً باختبار شائع ومتقاسَم يمكن التحدّث عنه بيُسر. فالدكتور لويس صليبا، من ناحيته، يدأب في البحث في الشأن الروحي منذ سنين طويلة. وقد قادته مسيرته هذه إلى عِشْرة عددٍ من المعلمين الحقيقيين، وعيش فترات مديدة من الصمت والتأمل بقربهم. وهو، بالتحديد هنا، يفصح عن بعض الاختبارات والهنيهات التي عاشها أثناء هذه السياحة الداخلية.
أيا منبعي، مكوّني، ومُعيني
هلاّ منحتني واحداً من العطاءات
أن أغوصَ فيك برهةً ولحظات (ص61)
هذا الجانب المُعاش يضفي كامل أهميته على هذه الصفحات: ما يستوجب من القارئ، بدوره، انتباهاً وإصغاءً مميزاً جداً.
والنص الأول محاضرة تناولت اختبارات الصمت في التقاليد الدينية الكبرى( ). وليس الغرض منها العرض
Pour ce présent livre, la situation est différente. Il est très rare dans nos grandes villes agitées de trouver des personnes qui aient connu une dimension du silence intérieur ; il ne s’agit donc pas d’une expérience commune , partagée, dont on puisse parler aisément . Le Dr Lwiis Saliba , lui , poursuit une recherche dans l’ordre de la spiritualité depuis de longues années. Ce cheminement l’a amené à fréquenter de vrais maîtres, et à connaître des périodes de silence et de retraite prolongées auprès d’eux. Ici, il témoigne précisément de certains moments, de certaines expériences vécues lors de ces pèlerinages intérieurs :
«O ma source, mon créateur et mon soutien
accorde-moi donc une seule de tes grâces
laisse-moi plonger en Toi au moins quelques instants. » (« Yâ manba‘î, mukawwinî wa-mu‘înî… », page 61.
Cet aspect vécu donne tout son intérêt à ces pages ; ce qui requiert du lecteur, à son tour, une attention, une écoute très particulière.
Le premier texte est une conférence sur les expériences du silence dans les grandes tra-ditions religieuses.Il n’a pas une finalité de type
الأكاديمي. فمع أن لويس صليبا متخصّص هو في مجال علوم الأديان، فإنه لا يبتغي رسم جدول مقارن لممارسات الرياضات الصامتة. وإنما يقدّم، ببساطة، مجموعة نماذج مأخوذة من كبار الوجوه الروحية (المسيح، مريم العذراء،محمد، القديس شربل مخلوف، عدد من كبار المتصوّفة، شاندرا سوامي). كما يورد استشهادات مـن نصوص مسيحيـة، إسلاميـة (لا سيمـا الأحاديث النبوية)، هندوسـية وبوذيـة. ومـا تقترحـه المحاضرة ليـس تحليلاُ مجرّداً للمفاهيم، وإنما استحضار لعظمة دور الصمت الداخلي. وهو بحد ذاته رهان وسط أجواء المجتمعات المعاصرة المضطربة والصاخبة. وغالبية معاصرينا لا يرون فائدة للحفاظ على الصمت: فإذا ما سنحت أية فرصة لذلك، فإن غياب التواصل الشفوي يرخي بثقل جسيم على الغالبية منا.
وهذا السِفر يدعونا للتعرّف على حياة أخرى ممكنة، يقول:
في الصمت لكأنني عشت مرتين
فعلاً وشهوداً، حال في حالتين(ص65)
aca-démique. Bien qu’il soit spécialisé dans le domaine des sciences des religions, Lwiis Saliba ne cherche pas à dresser un tableau comparatiste des pratiques de retraite silencieuse. Il fournit simplement un échantillonnage relevé auprès de grandes figures spirituelles (Jésus, Marie, Muha-mmad; Charbel Makhlouf, plusieurs grands soufis; Chandra Swâmî) ainsi que des citations de textes chrétiens et musulmans (hadîths notamment), hindouistes, bouddhistes. Ce qui est suggéré n’est pas une analyse purement conceptuelle, mais bien plutôt une évocation de l’immensité du rôle du silence intérieur. Ce qui, dans l’ambiance agitée et bruyante des sociétés contemporaines, est en soi une gageure. La plupart d’entre nos contemporains ne voient pas l’ « utilité » ( !) de rester en silence ; et si l’occasion se présente, l’absence de relations orales pèse très lourd pour la plupart d’entre nous. Cet ouvrage nous invite à prendre connaissance d’une autre vie possible :
« Dans le silence, je vis comme deux fois
dans l’action et dans la contemplation – un état spirituel en deux » (« Fî al-samti la-ka’annanî ‘ishtu marratayn… », page 65.
إن صدور هذا المصنّف، يذكّرني بالنجاح غير المتوقّع لفيلم للمخرج فيليب غرونين وعنوانه: الصمت الكبير(2006). فيلم طويل(مدّته ساعتين وأربعين دقيقة) يقدّم للجمهور صوراً عن رهبان منعزلين ومكرّسين للصمت التام. وهو لا يعطي أي تعليق أو شرح، بل يكتفي بسلسلة من اللقطات تُظهر رهباناً يصلّون، وتصوّر طقوسهم وطبيعة الجبال المحيطة بهم. والمناظر هذه غير مرفقة بأية موسيقى، وإنما تترافق مع أصوات الدير الطبيعية(الأجراس، الرياح). ومع ذلك فقد استطاع هذا الفيلم أن يملأ صالات العرض، ويجتذب أكثر من مئة ألف مشاهد في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، وهو أمر يدعو إلى التفكّر. فالحاجة إلى حياة داخلية لا يُعبّر عنها، طالما أننا لا نُظهر (بفيلم أو بكتاب كما هنا) أن المَنفَذ إليها ممكن. وأن عدداً من البشر قد ارتووا بالفعل منها.
ليس بمقدورنا، بالطبع، أن نوصّف الصمت، ولا أن نشيد بمزاياه، كما وكأنه إحدى طرق الرفاهية. وما من نوع واحد للصمت: فكل إنسان، في كل لحظة من حياته قادرٌ هو أن يتّصل بحقيقته الذاتية في سكونه الداخلي الخاص.

La parution de cet ouvrage m’évoque le succès inattendu du film de Philip Grôning « Le grand silence » (2006). Ce long métrage (2 h. 40) offre au public des images de la vie des Chartreux, moines voués au silence complet. Il n’offre aucun commentaire explicatif, juste des séquences montrant des moines en prière, des liturgies, la nature des montagnes alentour ; aucune musique n’est donnée non plus, juste les sons réels du monastère (cloches, vent)…Or ce film austère s’il en est a fait salle comble, attirant plus de cent mille spectateurs en France, Allemagne, Espagne, Italie...Il y a là matière à réflexion. Le besoin de vie intérieure n’est pas exprimé tant qu’on ne montre pas (par un film, ou bien ici par un livre) que l’accès en est possible, que certains hommes l’ont effectivement assouvi.
On ne peut bien sûr pas décrire le silence, ni en vanter les mérites comme on le ferait d’une technique de bien-être. Il n’existe pas une seule forme de silence ; chaque personne, à chaque moment de sa vie peut entrer en contact avec sa propre vérité dans son propre calme intérieur.
ما يقترحه، ببساطة، مؤلَّف لويس صليبا كتابةً، أو فيلم فيليب غرونين بالصورة، هو شهادات، من بين أخرى، عاشها بعض المسافرين نحو المطلق. وللقارئ ملء الحرية أن يتدبّر، على طريقته، الرسالة المنقولة. وأن يصغي، عند الاقتضاء، إلى النداء الخاص الذي يهتف بداخله والذي إليه يشير شاندرا سوامي( ).
ومقصد هذا الصمت الخاص بكل إنسان استحضره في القرن الماضي بوتنز Boutens قائلاً:
أيها الصامت، إبقى صامتاً
فالصمتُ بخطىً فضّية يتقدّم في الليل.
فما لا يمكن قوله من نفس إلى أخرى
في ثرثرة النهار غير المُجدية
يُلفظ في أرجاء الفضاء
جليّاً كنجمة تتكسّر في النور.
بعيداً عن رجس اللغة والإشارة
الله في داخل كلّ منّا

Ce que suggère simplement le livre de Lwiis Saliba par l’écrit, ou le film de Ph. Grôning visuellement, ce sont des témoignages parmi d’autres, vécus par certains voyageurs de l’absolu. Libre au lecteur de disposer à sa guise du message transmis, et d’écouter éventuellement la voix particulière qui s’élève en lui, à laquelle fait allusion Chandra Swami (page…). La finalité de ce silence, particulier à chacun, fut évoquée au siècle dernier par P.C. Boutens :
« Silencieux, reste silencieux ; le silence, à pas argentés
avance dans la nuit.
Ce qui ne peut être dit d’âme à âme
dans le bavardage vain de la journée
prononce depuis des contrées aériennes,
clair comme une étoile se brisant dans la lumière,
loin de la souillure du langage ou du signe,
Dieu en chacun de nous »
ومن هذا النبع أيضاً تستقي قصيدتَي لويس صليبا المكتوبتَين والمكرّستَين لمدينتَين مقدّستين: بنارس Varanasi وأمريتسار. فهاتَين المدينتين قد تبدوان بعيدتَين وغريبتَين لِمَن لم يزرهما أبداً، وأنا واحد من هؤلاء. ولكن متى تُصُوّرت كل مدينة منهما في سكينة التأمل، لم تعد مجرّد مدينة أرضية، أو موقع ديني بالمعنى العادي للكلمة. وإنما تماهت كل واحدة مع حقيقة ليست خارجية فقط، وإنما داخلية أيضاً. وغدت المدينتين مطارح في النفس ولأجلها. كما عبّر عن ذلك شاعر آخر غربي هو ميلوز Milosz:
يا أورشليم
لست صحراء من حجارة
مكوّنة من كلس ورمل وماء، كسائر مدن البشر الحقيقية.
وإنما وسط الحقيقة، وفي صمت الهامات
أنت إطلالة الذهب الداخلي الخرساء.
هذا السكون الداخلي العميق، هذا السكوت المنبهر، لا قدرة لنا على امتلاكه بمجهودنا، أو إرادتنا المحضة. ولكن ما نستطيع القيام به، بالمقابل، هو أن نستجيب للنداءات التي يبلّغها الدكتور لويس صليبا، وأن نبعث فينا التوق والرغبة العميقة وذلك بأن ننشدَ معه: ”أيا ليتني الآن أعرف“ (ص197).
بيير لوري
باريس في 10/02/2007
C’est également à cette source que puisent les deux poèmes de Lwiis Saliba écrits dans et consacrés à deux villes saintes, Bénarès et Amritsar. Ces villes peuvent paraître lointaines, étrangères à ceux qui ne s’y sont jamais rendus, dont je suis ; perçues dans le silence de la méditation, elles cessent cependant d’être de simples cités terrestre, ou même des sites religieux au sens ordinaires du terme. Elles s’id-entifient à une réalité non seulement extérieure, mais aussi intérieure. Elles deviennent des lieux dans et pour l’âme. Comme l’a écrit un autre poète, de tradition occidentale, O.V. de Milosz :
« O Jérusalem !
Tu n’es pas un désert de pierres liées de chaux, de sable et d’eau
Comme les villes réelles des hommes,
Mais, au sein du Réel, dans le silence de la tête,
Le planement muet de l’or intérieur. »
Ce calme intérieur profond, ce mutisme émerveillé, nous ne pouvons pas nous l’app-roprier par notre simple volonté ou notre effort. Ce que nous pouvons faire par contre, c’est répondre à ces appels transmis par le Dr.Lwiis Saliba, à faire naître en nous l’aspiration, le désir profond, en appelant avec lui: « Puissé-je à présent connaître!»(«Yâ layta-nî al-âna a‘rifu!»).
Pierre Lory
Paris le 10 février 2007
مدخل
الشعر والصمت من جوهر واحد

«أصدق الشعر وأعمقه ما انبثق من الصمت. وما أفسح للأخير في أوزانه وقوالبه ومعانيه حيّزاً رحباً» المؤلّف
هذه محاولات في الشعر كتبت في أزمنة وأمكنة شتّى، ويجمع شتاتها محور واحد: الصمت. فهي إما كتبت في الصمت، أو كتبت في صمت. فالصمت كان موضوعها أو جوّها وخلفيتها وبوتقتها وفي الحالتَين مصدرها والينبوع.
كلامٌ وأشعارٌ في الصمت؟! إنه التحدّي، بل المفارقة الأولى التي تواجهها هذه المحاولات.
فهل بالكلام، وهو نقيض الصمت، نعبّر عن اختبار للصمت؟! وهل يصلح الكلام أداةً لنقل رسالة الصمت؟! أوليس الكلام، وإن في الصمت، خروجاً عن وقار الصمت؟!
لا شك أن في الكلام عن الصمت تحدّ ومغامرة.
تحدّ في مقاربة جوهر الصمت، الذي لا تفصح عنه الكلمات، ولن تقوى يوماً على التعبير عنه.
ومغامرة خطرة Aventure à risques. والخطر هو أن نُفقد اختبارنا للصمت مضمونه، بمجرّد الحديث عنه، مع الاحتمال الجدّي، من ناحية أخرى، أن لا تصل الرسالة بالصفاء الذي أردنا لها أن تصل فيه.
قلتُ: اختبارنا للصمت، وما يشفع لما يلي من قصائد أنها تقارب الصمت من باب وزاوية واحدة: الاختبار المباشر. فهي ليست وصفاً لحالة خارجية نراها ونتحدّث عنها، وإنّما فيض تجربة داخلية اختُبرت وعيشت. ومن هنا بالتحديد يأتي استخدام القالب الشعري. فالشِعر، بمفهومي، تعبير عن اختبار، بَوحٌ مرمّز Codifié عن حال نعيشها. سجن وتأطير للامحدود في المحدود. حصرٌ للمحيط في زجاجة. إدراك لحقائق الكون وأسراره، أو لبعض منها، وإعرابٌ عنها.
والهدف الأساسي للشعر، هو، كما أرى، أن ينقل للقارئ أو المتلقّي شيئاً من ذاك المذاق، ويجعله يعيش الاختبار الذي عاشه الشاعر، أو بعضاً منه. ومتى تمّ ذلك، تكون الرسالة قد وصلت. وتحضرني هنا أقدم تجربة شعرية في تاريخ الإنسان، إنها أناشيد ريك ڤيدا التي يعود تاريخها إلى ما قبل سبعة آلافٍ من السنين. فرائي أو بصّار Rishi كل نشيد، في ريك ڤيدا، هو كما قلت في كتاب لي: «راءٍ وبصّار لحقيقة أبدية. ومعرفة لا شخصية ملهمة. وهذا الإلهام يستطيع البصّار إدراكه بقدرته على إيقاف كل فكرة، وكل نشاط وصخب داخلي، وفي السكون التام لمحيط المعرفة اللامتناهي، يسمع أصواتاً أوّلية Mantras، قادمة من السرمدية لتكشف له رموز عملية الخلق، صون هذه العلمية وتدميرها»( ).
ووفق المفهوم الڤيدي، وهو، على الأرجح، أقدم مفهوم للشعر، فهذا الأخير ينشأ عن اختبار للسكون والصمت، ويعبّر عن هذا الاختبار. من هنا قولنا أن الصمت والشعر ليسا نقيضَين متنافرَين، كما قد يبدو للبعض. بل جوهرَين متلازمَين ومنسجمَين. وأصدق الشعر وأعمقه ما انبثق من الصمت، وما أفسح للصمت في أوزانه وقوالبه ومعانيه حيّزاً رحباً.
الشعر جوهره الموسيقى. وهذه الأخيرة ليست مجموعة أنغام وأصوات Sons فقط، وإنما مجموعة أنغام تفصل بينها فسحات من الصمت.
وهذا ما يعَلّمنا إيّاه ريك ڤيدا أيضاً. فهذا الأخير ينبثق من الصمت، صمت الكون وسكونه، ويُتلقّى في الصمت: صمت البصّار Rishi وسكون فكره.
ريك ڤيدا، كما رأينا، مجموعة من الأصوات الأوّلية Sons Primordiaux التي انبجست وسط السكون التام للخليقة في بداياتها. والذبذبات الأولى للوعي الذي صار واعياً لذاته. وفي صمته العميق سمع البصّار Rishi هذه الأصوات ونقلها كاملة.
وأبرز ما يعلّمنا ريك ڤيدا، من حقائق، أن التلاوة والترتيل والموسيقى والشعر أيضاً، ليست فقط مجموعة أصوات (أو أصوات لها معانٍ)، وإنما هي تعاقب أصواتSons وسواكن أو صوامت Silences. مقاطع صوتية Syllabes Sonores وفواصل ساكنة Intervalles Silencieuses بين هذه المقاطع.
يقول أوشو اليوغي المعاصر:«لا تصغوا إلى كلماتي، وإنما أصغوا إلى الصمت الذي يفصل بين هذه الكلمات».
وهي نصيحة جوهرية للإصغاء إلى تلاوة ريك ڤيدا.
ولا بدّ أن نلحظ هنا أن هذا التعاقب والتناوب بين الصوت والصمت نجده في العديد من تقاليد الأشعار المقدّسة والتلاوات الدينية.
ففي الأناشيد والتراتيل الغريغورية Chant grégorien والتي تعدّ الفن الغنائي الكاثوليكي بامتياز، تعتبر الفواصل الصامتة جزءاً أساسياً، لا يتجزّأ، من النغم والتلاوة.
وفي تلاوة القرآن: ترتيله وتجويده نجد أحكام الوقف. إخراج الصوت من الصمت، وإعادته إليه.
وبالعودة إلى ريك ڤيدا، فبنية النشيد الڤيدي، كما ألمعنا، مؤلّفة من مقاطع وفواصل تدعى Samdhi صوت وصمت. صوائت وصوامت. وفي وسط فاصلة الصمت يتحلّل المقطع الصوتي ويذوب ليوَلّد المقطع التالي.
ويقول الحكيم مهاريشي ماهش يوغي أنه في وسط الفاصلة Samdhi نجد الحال الساكن للڤيدا. حال من الصمت غير متمظهر وديناميكي في آن. ويضيف مهاريشي: بما أن الذكاء الذاتي المرجعية هو طبيعة الفاصلة بالذات، فليس بالمقدور الوصول إلى كامل الطاقة الكامنة للڤيدا، إلا من خلال هذه الفاصلة الصامتة. الفاصلة الصامتة هي إذاً المدخل الضروري ومفتاح الإبداع في الڤيدا.
وبعد هذا العرض الموجز للشعر في الڤيدا ونظرة الڤيدا للشعر ومفهومها له، أسارع إلى الاعتراف أنني لم أصل مطلقاً إلى هذا المستوى من الاختبار والتعبير عنه. فأين أنا ومحدودية وعيي من وعي بصّاري الڤيدا وشمولية إدراكهم. ولكن عشرتي لهم، وترجمتي لكتاب كامل من أناشيد ريك ڤيدا، ودراستي له( ) طَبَعَت محاولاتي، في دنيا الشعر، بشيء من سمات أناشيد ريك ڤيدا. وجعلت الشعر في دنياي وقاموسي تعبير مرمّز عن اختبار، وإفصاح عن حال.
وبديهي أن يكون في الإفصاح هذا ذرى ووديان. فغالباً ما تخون الكلمات، بطبيعتها المحدودة، طبيعة الوعي اللامحدود الذي يختبره الشاعر، أو المرء، لبرهة من الزمن، فتعجز عن التعبير الكامل عن اللامحدود هذا. وهو ما قصدته بقولي أن الشعر سجن وتأطير للاّمحدود في المحدود، وحصر للمحيط في زجاجة. وفي ذلك لا يبعد الشعر كثيراً عن ظاهرة الشطح ( ) التي عرفها المتصوّفة في مختلف الأديان، ولا سيما في الإسلام. فالشاطح يعرف حالاً من الوحدة والتوحّد مع المطلق (الله)، يعبّر عنها بمحدود الكلام. فيظنّ كلُّ غريبٍ عن حال كهذه أنه يهذي أو يكفر. أفلم يذهب الحلاّج ضحية شطحته: أنا الحق؟!
الرحلة في عالم الشعر ارتبطت في تجربتي واختباري، منذ البدء، بالشطح. فكان عنوان أوّل مجموعة لي إشارات... شطحات.. ورحيل. فالشاطح والشاعر صاحبا أفق واحد. وفي مقدّمة كتابي المذكور يقارن أستاذي المستشرق البروفسور بيير لوري بين تجربة الشاعر، وتجربة الصوفي/الشاطح فيقول:«إن الشاعر يعبّر مع انبثاق قصيدته عن حال آني، عن تموّج روح. إنه وعي وإدراك لما فوق الطبيعة، لحالة من التخطّي، موسومة غالباً بإيقاع جلي أو خفي.
أما الصوفي، فيعود من أحوال تفوق الوصف والتسمية، وهو مع ذلك يحاول أن يصفها ويسمّيها. ومن هنا يأتي استعمال الشطح(...) لا شيء إذاً يمنع هذَين الخطابَين الشعري والصوفي من التلاقي. بل العكس هو الصحيح»( ). ولا تختلف تجربة الشاطح في عمقها وجوهرها عن تجربة بصّار ريك فيدا المتوحّد مع الكون. وهذه الأخيرة مثال ونموذج يلتقي مع تجارب العديد من الشعراء المعاصرين. وهؤلاء، وإن لم يعرفوا ريك فيدا وأناشيد بصّاريه، فقد عرفوا تجربة شعرية حقّة. لنستمع إلى سعيد عقل يحدّثنا عن مفهومه للشعر وتجربته فيه. يقول:«إن الجمال الذي يخلعه الشعر، سواء على الشاعر أو على المتذوّق. إنما قوامه هدوء خالص، لا تتلاطم فيه فِكَر وصوَر وعواطف. هدوء يجعل النفس، ولا شيء يفجأها أو يعكّر صفاءها، منطوية على ذاتها، أعماقها على أعماقها. حتى لتغدو أكثر تآلفاً مع حقائق الكون. بل تغدو وحقائق الكون شيئاً واحداً»( ).
شهادة سعيد عقل هذه تعيدنا إلى ريك فيدا ونظرته إلى الشعر والنغم المنبثقَين من الصمت والهدوء الخالص. وتؤكّد ما سبق وقلنا أن الشعر والصمت من جوهر واحد، وليسا ضدّين متنافرين.
ونكتفي بهذا القدر. فلسنا بصدد عرض نظرية متكاملة في الشعر والصمت وما يربطهما. وإنّما هي بضعة خواطر تمهّد للدخول في عالمنا الشعري ومفهومنا وتجربتنا فيه.
أما ما نقدّم في مجموعتنا الثالثة( ) هذه ، فيتوزّع على محاور ثلاثة:
- المحور الأول، في معبد الصمت. مجموعة قصائد كتبت بمعظمها في فترة اختبار للصمت قضَيناها في أشرم المعلم الصامت تشاندرا سوامي. وسنعرّف بهذا الأخير وتعاليمه في الجزء الثاني من هذه السلسلة: الصمت في التصوّف والأديان.
وهي، كما أشرنا، محاولات انبثقت من اختبار داخلي وحاولت أن تعبّر عنه، ما أمكن للكلمات، بجرسها الناعم حيناً وصخبها المجلجل أحياناً، أن تنقل وتصف صفاء تلك الحال.
فمن الحبيب الصامت، إلى الصمت الكبير والأخير، حلقة تبدأ باكتشاف الصمت وما فيه من غبطة وحبّ وتُرجع إلى الصمت المحتّم «والعمر نزهة بين الصمت والصمت»، (ص 81).
- المحور الثاني، سائح في المدن المقدّسة، يحكي عن ثلاث مدن مقدّسة. أول اثنتَين منها أي فرناسي (مدينة الهندوس المقدّسة) وأمرتسار (مدينة السيخ المقدّسة)، لا يعرف القارئ العربي عنهما الشيء الكثير، لذا قدّمنا للأولى بتعريف موجز. في حين أن مقدّمتنا للثانية أفضت بنا إلى مؤلّف مستقلّ( ) نحيل الراغب بالاستزادة إليه. وزينّا القصيدتَين بمجموعة من الصوَر التقطنا غالبيتها في زيارتنا لكل من المدينتَين. وهكذا فحيث قد تعجز الصورة الشعرية عن نقل كامل ما في كل مدينة من قدسية وبهاء، تأتي الصورة الفوتوغرافية لتساهم، ما أمكن، في إكمال اللوحة... وسدّ العجز...
أما القصيدة الثالثة، فرحلة بالشوق إلى أورشليم، وهي في قسم منها تستوحي قصيدة الشاعر العبري يهودا هاليفي (1075 – 1141) أنشودة لصهيون. والغريب أن ما اشتكى منه هاليفي منذ ألف سنة:
«فكيف احتلّ في ذي الزمان
العبيد العرش».
هو عينه ما نشكو منه اليوم، وتعاني منه هذه المدينة المقدّسة قِبلة الديانات الساميّة التوحيدية الثلاث. فهل كُتب على هذه المدينة أن تبقى ساحة حرب وصراع منذ أيام الرومان، إلى الغزو العربي، فالحملات الصليبية، فالاحتلال الصهيوني؟!
ومتى يكون لكلّ من أبناء الأديان المذكورة حقوق متساوية فيها؟! فلا يمنّ أحدٌ، على آخر، بحقّ طبيعي ومكتسب في الزيارة والحجّ والتبرّك؟!.
- المحور الثالث، رجوع إلى المصدر قصائد تناولت مواضيع وجدانية مختلفة:
الحبيبة الأولى/الأم. البحر مصدر كل الكائنات، الخوف سمّ ترياقه الحب. وغيرها من قصائد. بعضها تحرّر حتى من القافية ليكون الإنسياب كما أمواج البحر حين الهدوء. وقد كتبت في فترات متعدّدة من الصمت والتأمّل. ليكون الصمت الخيط والسلسلة التي تربط بين مختلف حلقات هذا السفر.
تبقى كلمة عن رسوم اليانترا Yantra التي تملأ بأشكالها الجميلة عدداً من صفحات هذا الكتاب وتفتتح بها كل قصيدة. إنها أجمل الأشكال التي تعبّر عن الصمت والتأمّل الصامت، وتمهّد له. وهي إحدى أبرز ركائز هذا التأمل. لذا فحضورها ليس من باب التزيين والتجميل فقط. وإنما هي مدخل ممتع إلى عالم الصمت.
وقد عرّفنا باليانترا وأنواعها وطرق استخدامها في الملحق الأول من كتابنا هذا وعنوانه ”الصمت واليوغا“ فنحيل القارئ إليه.
وأخيراً فكتابنا هذا فاتحة سلسلةٍ عنوانها: ”الصمت في التصوّف والأديان“، إنه دعوة لاختبار شيء من ذاك المذاق. فإذا استطاع هذا السِفر أن يقنع، ولو إنساناً واحداً، بجدوى الصمت وضرورة إفراد حيّز من حياته له نكون قد بلّغنا. ويكون على هذا الأخير مسؤولية مماثلة في التبليغ.
فغالباً ما كان صمتُ إنسانٍ واحد، أكثر دويّاً وتأثيراً من صخب مدينة بأكملها.
Q.J.C.S.T.B
د. لويس صليبا
باريس في 26/08/2007


محتويات الكتاب

كتب للدكتور لويس صليبا، إصدار 2
بطاقة الكتاب 4
إهداء 5
مقدّمة المستشرق البروفسور بيير لوري 7
مدخل: الشعر والصمت من جوهر واحد 21
إستهلال: بين يدَيك أيامي 37
الباب الأول: في معبد الصمت 41
الحبيب الصامت 43
أنشودة الصمت 53
صمت العيون... والحواس 67
أدب الحياة... أدب الوفاة 75
الباب الثاني: سائح في المدن المقدّسة 83
أيُّ الخلاصَين... يا ڤرناسي... 85
ڤرناسي... أقدم المدن المقدّسة 87
أمرتسار... مدينة الذهب والأنوار 107
أغنية لأورشليم 133
الباب الثالث: رجوع إلى المصدر 145
الحبيبة الأولى 147
يا بحر... يا أبتاه 161
الخوف سمٌّ ترياقه الحب 169
وتصير الأنا... بحجم المحيط 179
أنتظره... ولو جاء بحتفي 187
أيا ليتني الآن أعرف 191
خاتمة: أفرّ منك إليك 201
ملحق أول، الصمت واليوغا 203
اليانترا Yantra والتأمّل والصمت 205
التأمّل والصمت، مقابلة مع مجلّة الهديل/بيروت 213
مقابلة عن اليوغا، جريدة النهار/بيروت 217
اليوغا والتأمّل في تعليم Amma 221
ملحق ثانيٍ، مقابلة عن الأيورڤيدا 237
مكتبة البحث، مراجع المداخل والملاحق والرسوم 243
Bibliographie 247
فهرس اللوحات والصوَر 251
محتويات الكتاب 255


{vsig}Library/tasawof/samet{/vsig}


فهرس اللوحات والصوَر

Kali Yantra    25
Tara Yantra    42
Architectural Yantra    44
Astrological Yantra    46
تشاندرا سوامي متأمّلاً    48
تشاندرا سوامي يعبّر كتابةً    50
تشاندرا سوامي وتلميذه أتمانَندا    52
تشاندرا سوامي وبقرات ديره    54
تشاندرا سوامي يلعب التنس    56
Ganesha Yantra    58
Durga Yantra    72
الشاكرز السبع    80
Kali Yantra II    88
خارطة ڤرناسي...    90
أحد معابد ڤرناسي على الغانج    92
المانترا الأولى Aum    94
معابد ومحرقة الجثث في ڤرناسي    96
معبد في وسط مياه الغانج    98
حجّاج يتطهّرون على ضفاف الغانج    100
عرض ديني في ڤرناسي    102
إمرأة تتوضّأ في الغانج    104
إمرأة تغسل ثيابها في الغانج    106
تمثال بوذا ومعابد في سارنا    108
مشهد للمعبد الذهبي والمعلمين العشرة    108
Tripur Sundari Yantra    110
أمرتسار: معبدها الذهبي وصور معلمي السيخ العشر    112
ممشى حول بحيرة أمرتسار    114
المعبد الذهبي وسط البحيرة    116
حجّاج على جسر المعبد الذهبي    118
كتاب السيخ المقدّس على عرشه    120
غورو نانَك مع مرافقه    122
غورو-غوبند سينغ/المعلّم العاشر    124
سيخ يتطهّرون بمياه البحيرة    126
مرقد الكتاب المقدّس    128
المعبد والبحيرة والجسر    130
المعلّمون العشرة    132
تحيّة مؤمن إلى المعبد    134
إبراهيم يجمع أبناءه في حضنه    136
لوحة لأورشليم    138
Shrî Yantra    150
الحبيبة الأولى    152
Mahamritanje Yantra    160
Dhumavati Yantra    162
Tantric Yantra    174
Kali Yantra III    182
Chehinmasta Yantra    184
Architectural Yantra    192
Kamla Yantra    202
Tantric Yantra II    204
Shrî Yantra    206
Tantrism-Raja Yantra    210
Amritananda أَمّا    224
Mukti-yantra    250
Tripur Bhairavi Yantra    350