بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
11
854811

صفحتنا على الفيسبوك

كتاب قَتَل كاتبه - المزيد من الكتاب

Share

المؤلّف/Author : سعد بن منصور بن كمّونة Ibn Kammuna
عنـوان الكتاب : تنقيح الأبحاث للملل الثلاث
Examination of the Three Faiths
كاتب الدراسة Editor/ : د. لويس صليبا Dr. Lwiis Saliba
باحث في الدراسات الإسلامية والأديان المقارنة/السوربون - باريس
عنوان الدراسة : كتاب قَتَل كاتبه
عنوان السلسلة : اليهوديّة بأقلام يهوديّة 12
عدد الصفحات : 585 ص
سنة النشر : 2009 – طبعة أولى
تنضيد وإخراج داخلي : صونيا سبسبي
الطباعـة : مطابع دار ومكتبة بيبليون
الناشر : دار ومكتبة بيبليون
طريق المريميين – حي مار بطرس- جبيل/ بيبلوس ، لبنان
ت: 540256/09 - 03/847633 ف: 546736/09
Byblion1@gmail.com
2009 - جميع الحقوق محفوظة


أيُعقل أن يقتل كتاب كاتبه؟ قد يجد القارئ في عنوان دراستنا بعضاً من مغالاة أو أثر أسلوب ترويجي يهدف إلى لفت الانتباه. والتسويق بالتالي.
ولكن هل إتلاف الكتب، واغتيال كُتّابها حدث نادر في تراثنا وتاريخنا؟! إن فيه من الأحداث المماثلة ما يكفي مادّة دسمة لكتاب في هذا الموضوع. وهاك واحدة منها أرّخ لها الطبري وكثيرون غيره:«سنة 163 ﻫ انتهى المهدي (الخليفة العبّاسي) إلى حلب وبعث وهو بها عبدالجبّار المحتسب لجلب مَن بتلك الناحية من الزنادقة. ففعل، وأتاه بهم وهو بدابق، فقتل جماعة منهم وصلبهم، وأتى بكتب من كتبهم فقطّعت بالسكاكين»( )، ومَن أراد معرفة المزيد فعليه بكتاب جرد هذه الأحداث عبرعصور التاريخ العربي( ).
ولكن حرق الكتُب وقتل الكُتّاب ظاهرة لم يستأثر بها تاريخنا وحده. فأزمنة القرون الوسطى في الغرب حافلة ”بمآثر“ من هذا النوع. محاكم التفتيش، حرق التلمود وكُتُب الهراطقة، لا بل وأيضاً حرق مئات وألوف الكتار Cathares زنادقة الغرب وأتباع ماني أحياء شاهد على أن الكل شرقاً وغرباً لم يقصّر في هذا المجال. ولكن الفرق بين الغرب وشرقنا، أن الأوّل تجاوز هذه المسألة/العُقدة، وباتت مجرّد ظاهرة عبرت، وإن كانت نقطة سوداء في تاريخه، أمّا نحن فلا زلنا نعاني من عوارض كثيرة لمرض عدم التساهل Intolérance ورفض الآخر والمختلف في بيئات ومجتمعات غالباً ما تنحو لتكون توتاليتاريّة الفكر وأحآديته.
تعرض دراستنا هذه لأفكار ملاحدة في التاريخ الإسلامي أمثال ابن الريوندي (ت245ﻫ)، ومحمد بن زكريا الرازي (ت320ﻫ) وأبو العلاء المعرّي (ت449ﻫ). وقد عاشوا في مجتمعات إسلاميّة، وعبّروا، وبحرّية أحياناً كثيرة، عن رفضهم لمعتقدات هذه المجتمعات وبل وسخريتهم منها، وذلك دون أن يُؤذوا أو يُقمعوا أو يُضطهدوا. فهل كانت مجتمعاتنا الإسلاميّة أكثر تسامحاً وتساهلاً ممّا هي عليه اليوم؟!.
هذا ما طرحناه وبحثنا فيه في خاتمة كتابنا ”ديانة السيخ“( ).
ولكن لنعُد الآن إلى موضوعنا الأساسي. فالسؤال الذي يطرح نفسه: ما الفائدة من إعادة نشر كتاب أثار كل هذه الضجّة في زمنه وكان وبالاً على صاحبه؟!.
حادثة ابن كمّونة وكتابه التنقيح (683ﻫ)، كما بيّنا في دراستنا، لم يكُن الكتاب سوى ذريعة لها. أما الأسباب والخلفيات فسياسيّة، وصراعات على الحُكم وغير ذلك مما هو مفصّل في مكانه. ولكن هذا ليس بجواب شافٍ وإن كان جزءاً منه.
لِمَ نشر كتاب كهذا في زمن عدم التسامح، بل التعصّب البغيض هذا؟!.
بِبساطة نجيب: لأنه يأتي في وقته تماماً. فهو يحمل في طيّاته رسالة قديمة متجدّدة لا تَعتَق: الحوار مع الآخر. الإصغاء إليه عارضاً معتقداته من منظوره ورؤيته هو. نقل الصراع من الشارع وساحات الوغى حيث تفتك الأسلحة بالبشر والحجر إلى مجالس الفكر وصفحات الكتب وحصره فيها.
عِلم الأديان المقارنة الذي يشهد اليوم قفزات نوعيّة في الغرب واهتماماً متزايداً في العالمَين العربي والإسلامي، هل ننسى أن بعض عُلماء المسلمين والعرب كان من روّاده والسبّاقين إليه. سبق لنا أن تناولنا بالبحث مساهمات البيروني في هذا المجال( )( ). وها نحن اليوم نقدّم مساهمة أخرى لا تقلّ عنها أهمّية، تنقيح الأبحاث للملل الثلاث لابن كمّونة. هذا الأثر، شئنا أم أبَيْنا نتاج الحضارة العربية/الإسلاميّة أيّاً يكُن دين كاتبه أو موقفه من الإسلام. فهو سِفْر صُنّف بالعربيّة وكان له أثر في زمنه حفز الكثيرين للردّ عليه كما سيرد في الدراسة. فعزّ الدولة سعد بن منصور بن كمّونة الإسرائيلي اليهودي والبغدادي هو ابن الثقافة العربية/الإسلاميّة. نشأ وترعرع في أجوائها. قرأ كتُب ابن سينا وشيخ الإشراق السهروردي منذ شبابه، وخلّف شروحات ضافية ومهمّة لبعض منها. ومَن يقرأ كتابه ”الجديد في الحِكمة“ مثلاً، يظنّ أنه يقرأ أثراً لفيلسوف إسلامي من مدرسة ابن سينا والإشراق. لقد تشبّع ابن كمّونة بالفلسفة الإسلاميّة وتمثّلها، وشرح آثار عدد من كبارها لدرجة تخاله واحداً من أساطينها. وقد كانت لنا وقفة عند ”الصمت وحفظ الحواس في فلسفة ابن كمّونة“( ) بيّنا فيها مدى تأثّره بالتصوّف الإسلامي، حتى أنه في مقاربته لهذا الموضوع كان متصوّفاً يحكي. آن لنا في هذا الشرق أن نفهَم تراثنا بمعناه الواسع الرحب، فنكفّ عن ممارسات هي أشبه بما عرف في حرب لبنان بِز”الحواجز على الهويّة“ أي أن ندقّق بهويّة الكاتب، فاستناداً إلى أي دين أو طائفة ينتسب مولداً نحدّد مذهبه وفكره ونحدّه به.
نشر هذا السِفر وفي زمن التطرّف والإرهاب ذا، يأتي في وقته قلنا. فبالإضافة إلى أنه أثر محوري في تاريخ علم الأديان المقارنة وتطوّره فهو يعود ليعلّمنا، من جديد، بعضاً من أصول أدب حوار نسَيْناه أو تناسَيْناه: احترام مقدّسات الآخر وعقائده من ناحية، ولكن دون أن يعني ذلك محاباته أو مسايرته في عرض رأينا فيها. لقد بذل ابن كمّونة، والحق يُقال، مجهوداً لافتاً في هذا المجال. فعرض عقائد المسيحيّة والإسلام بكثير من الموضوعيّة والحياد. وأبدى تجاه مقدّساتهما ما يبديه أهلها لها من إجلال وتبجيل. فلم يذكر نبي المسلمين ولا مسيح النصارى إلا وألحق الذِكر بما يجب من عبارات الاحترام. فهل كان احترامه هذا مصطنعاً ومجرّد محاباة ومداهاة؟!.
أبحاثنا في الدراسة التالية تجيب بالنفي. وتنحو إلى القول أن أسلوبه اللبق والراقي هذا، يعود بالأحرى إلى قناعة عميقة بدور الأديان وضرورتها وحاجة الناس إليها. ومقارناتنا في الدراسة بين موقف ابن كمّونة من المسيحيّة والإسلام ومواقف يهود عصره منهما بيّنت هوّة وفروقات شاسعة بين الجهتَين. ألم يقُل في خاتمة الباب الثالث (النصرانيّة) عن كثير ممّا يُقال عن المسيحيّة:«وأما سائر ما ذكر من كلام المخالفين، فبعضه مجرّد تشنيع واستبعاد. وبعضه لا يخفى على المحصّل وجه دفعه، ولو بتكلّف».
ألا يعبّر هذا الكلام عن موقف مغاير بل ومناقض لموقف يهود عصر ابن كمّونة من المسيحيّة (والإسلام كذلك)، ما توسّعنا في عرضه في دراستنا؟ أو لم يكُن أسلوبه في الكلام على عقائد الآخر راقياً ومميّزاً؟!.
ولكن هذا الاحترام، كما سبق وأسلفنا، لم يعنِ عنده محاباة ولا مسايرة. فالطعون والشبهات على المسيحيّة والإسلام بل وحتى اليهوديّة أوردها بكل صراحة ومن دون مواربة. الاحترام العميق لم يؤثّر على صراحته بل جرأته في العرض. وقد دفع، وهو المتحفّظ طبعاً في الأساس، غالياً ثمن هذه الجرأة. لقد كان مصير السهروردي المقتول، وابن كمّونة من أوائل الذين اعتبروه شهيداً، ماثلاً أمامه. ولكن ذلك لم يفده كثيراً في تلافي مصير مشابه. وهل ينفع حذرٌ في دفع قدر؟!.
أيّـاً يكُـن فـإن قطبـي الأسلـوب الكمّوني ومحورَيه: الاحترام الصراحة، كفيلَين لوحدهما بجعل هذا الأثر جديراً بالبقاء واستخلاص العِبَر والدروس منه. ولكن للتنقيح مزايا أخرى كثيرة غير هذه، توقّفنا عند غالبيّتها في دراستنا، ونترك للقارئ اكتشافها في النص.
لقد كانت لنا رحلة طويلة وممتعة مع هذا الفيلسوف اليهودي الذي حيّر الكثيرين. وها هو جهد سنوات عديدة يصل إلى خواتيمه، فيوضع بين أيدي القرّاء، ويأخذ مكاناً له في المكتبة العربية.
ابن كمّونة فيلسوف حيّر الكثيرين، كيف ولماذا؟!.
لم تنتج الحيرة هذه عن التنقيح وحسب. فابن كمّونة هو صاحب الشبهات/المسائل التي عرفت باسمه أو نسبت إليه، وتداولها الفلاسفة الإيرانيون قروناً من الزمن ولا يزالون يقدّمون إجابات عنها. وقد اختُلف إلى حدّ التناقض في مذهبه وعقيدته «فبينما عدّه الكثيرون يهودياً، هناك مَن يعدّه مسلماً اعتماداً على مقدّمة آثاره التي يصلّي فيها على النبي وأهل البيت، بل عدّه آخرون شيعياً» يقول كاتب مقالة ”ابن كمّونة“ في دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى. وقد وصل البعض إلى حدّ وصمه بِز”شيطان الحُكماء“( ). وهل بين الحُكماء شياطين. وهل لإبليس إلى الحِكمة وعقول الحُكماء درب وطريق؟!
لقد نسبت لابن كمّونة شبهات شتى، ما يتعلّق به من بعيد (أو قريب)، وما لا علاقة له به لا من قريب ولا من بعيد. لكأن ”جسمه لبّيس“ كما يقول المثل اللبناني. أي أن سوابقه تتيح إلصاق شتّى التهم به كما يُقال. لِمَ حيط (حائط) هذا المفكّر/الفيلسوف واطي (منخفض) أَلأنه يهودي؟ أبسبب ”تنقيحه“ الذي أثار الكثير من الردود. أم بسبب الحادثة التي آلت إلى وفاته.
لقد حيّر ابن كمّونة الكثيرين، قلنا: بحياته وشبهاته وبوفاته كذلك. ولا نملك عن تفاصيل الحادثة التي توفّيَ إثرها بأيام سوى رواية ”الحوادث الجامعة“ المنسوب لابن الفوطي. مما يجعل مسألة الفصل في خلفيتها وأسبابها ودوافعها ونتائجها أمراً بالغ الصعوبة. وقد قرأنا في النص كما بيّنا في مطلع الدراسة أن الكاتب ذهب ضحيّة كتابه ”التنقيح“ على ما يبدو وفي غالب الظن.
كتاب بلغ أثره هذا الحدّ، كان لا بدّ من وقفة مطوّلة عنده. وقد استغرقت وقفتنا دراسة وتعليقاً كما أسلفنا سنوات.
تنقسم دراستنا إلى محاور/أبواب ثلاثة.
تناولنا في الباب الأوّل المؤلّف في حياته ومؤلّفاته وفلسفته. المعلومات التاريخيّة عن هذا المفكّر قليلة بل نادرة. وتكاد تنحصر في مصدرَين: معجم الألقاب للفوطي والحوادث الجامعة المنسوب إليه. في حين يغيب اسمه في المصادر العبريّة واليهوديّة. أما أبرز ذكر له في الأجيال التي تلته فعند مفكّري إيران وفلاسفتها كصاحب الشبهات، وشرح التلويحات للسهروردي.
ومع هذا الشحّ في المعلومات حاولنا أن نرسم الصورة الأقرب إلى الدقّة عن حياة هذا الفيلسوف (موضوع الفصل الأوّل من الباب الأوّل) ومؤلّفاته (موضوع الفصل الثاني) والتي ضاع منها الكثير في حين أن العديد مما بقي لما يزل مخطوطاً نائماً في الخزائن.
وكانت وقفتنا الكبرى (الفصل الثالث من الباب الأوّل) عند شخصيّته وشبهاته ومذهبه.
شخصيّته حاولنا تبيّنها بالعودة إلى نصوصه وما وصلنا من كتبه، فمن الضروري رسم أبرز ملامحها لفقه نصّ التنقيح.
أمّا شبهاته، وإليها يعود الفضل الأكبر في شهرته، فكان لا بد من عرض وتفحّص لها لتمييز الصحيح من المنحول، ومحاولة معرفة أسباب نسبة كل هذه الشبهات إليه.
أمّا مذهبه، وقد تفاوتت الآراء فيه إلى حدّ التناقض كما أشرنا، فقد بيّنا بعد عرض وافٍ أنه بقي على يهوديّته حتى وفاته، وإن كان قد طعّمها بعقلانيّة فلسفيّة اكتسبها من اشتغاله الطويل بالفلسفة وانكبابه على آثار ابن مَيْمون وابن سينا والسهروردي وغيرهم.
والمحطة الثانية (الباب الثاني) في الدراسة كانت عصر ابن كمّونة. فالتنقيح كما بيّنا يعكس ثقافة عصره، وما ساده من جدل وسجال بين أهل الملل وتسابق كذلك لكسب ودّ الحاكم المغولي واستمالته. ولتوضيح كل ذلك رأينا من الضروري دراسة أوضاع اليهود وأهل الذمّة عموماً في ظلّ الدولة العبّاسية وتغيّرها مع قيام الدولة المغوليّة. ولولا فسحة الحرّية الدينيّة التي أتاحها المغول في الحقبة الأولى من تاريخ دولتهم، لما كان ابن كمّونة قد تجرّأ على كتابة ”التنقيح“ ونشره. أما البحث في موقف يهود عصر ابن كمّونة من المسيحيّة والإسلام فقد أتاح لنا تبيّن مصادر بعض طعون التنقيح وكذلك إظهار تميّزموقف الكاتب منهما عن موقف سائر أهل جلدته.
والمحور/الباب الثالث والأبرز في بحثنا هو دراسة نص التنقيح. فبعد التمعّن في ظروف تأليفه ودوافعه وعلاقة ذلك بموقع المؤلّف من الحاكم وهو موضوع الفصل الأوّل انتقلنا في الفصل الثاني إلى دراسة مخطّط الكتاب ومنهجيّة الكاتب وما أخذ عليها ومصادر الكتاب ما ظهر منها وما سُتر. أما الفصل الثالث فتناول الباب الأوّل من الكتاب وموضوعه النبؤة. فبدا لنا المؤلّف غالباً فيه مجرّد ناقل عن الغزالي وابن سينا وابن مَيْمون في حين أن نظريّته في النبوّة تدور بمجملها حول نظريّة الفارابي وتأخذ عنها، أما معلوماته عن الأديان الأخرى غير الملل الثلاث فضحلة وتكاد تكون معدومة.
ودرسنا في الفصل الرابع الباب الثاني من التنقيح ”اليهوديّة“ فوجدنا أن ابن كمّونة في عرضه لليهوديّة وعقائدها عالّة على يهودا هاليڤي. في حين أنه أخذ الاعتراضات عليها من السمؤال المغربي وغالبيّة الردود على الاعتراضات عن ابن مَيْمون.
وتبقى مساهمته الأساسية هنا هي محاولة التوفيق بين هاليڤي (التيار الدين في اليهوديّة) وموسى بن مَيْمون (التيار الفلسفي الأرسطي). ولاحظنا أن ابن كمّونة على الرغم من حماسه الظاهر لليهوديّة ولنظريات هاليڤي في الأمر الإلهي وحصر النبوّة في شعب إسرائيل فهو لا يتكلّم على شريعة موسى وديانته بصيغة الز:نحن، بل يبقى على مسافة ما منها. هذا على الرغم من انحيازه الظاهر إلى نبوّة موسى واعتبارها هي ومعجزاته وتواترها نموذجاً مثالياً للنبوّة والمعجزة والتواتر. إنها المثال الذي عجز كل الأنبياء التالين عن إدراكه.
والفصل الخامس بحث في النصرانية من المنظور الكمّوني أي موضوع الباب الثالث من التنقيح. وقد وجدنا هنا أن ابن كمّونة، وقد فاته الابتكار في أبواب أخرى، لم يعوزه هنا. فخرج بنظريات جديرة بالتمعّن مثل الفصل بين مسيح التاريخ ومسيح المسيحيّة، ودور بولس في تأسيس هذه الديانة.. الخ. هذا مع أنه تلاعب بالكثير من النصوص الإنجيليّة وحرّفها بما يوافق أفكاره وهواه.
أما الفصل السادس والأخير فأفردناه لدراسة الباب الرابع والأخير من ”التنقيح“. وقد لاحظنا أنه الأطول والأبرز والأهم. لكأن التنقيح كتب أساساً من أجل الخلوص إلى هذا الباب.
وفيه يزحف ابن كمّونة ببطء، ولكن بثبات نحو أدلّة المتكلّمين على نبوّة رسول الإسلام، صلعم، فيعرضها بحياد ظاهر، ليتوسّع في الاعتراضات والطعون عليها. ما يجعل هذه الأدلّة تتهاوى وتسقط، برأيه، الواحد تلو الآخر. فلا إعجاز القرآن يصمد أمام تنقيح ابن كمّونة ولا دعوى خلوّه من التصحيف أو التحريف. ولا ما نقل عن إخباره، صلعم، بالغيب أو ما نسب إليه من المعجزات يصحّ أو يعوّل عليه في إثبات نبوّته. ولا غير ذلك من البشارة ببعثته وانقلاب الدنيا معها أو صفاته وأخلاقه.
ومع ذلك فابن كمّونة بعد تفنيد كل هذه الدلائل لا يخلص إلى موقف صريح واضح في نبوّة الرسول، صلعم، وصحّتها، لكأنه يترك للقارئ أن يستخلص ويستنتج تستّراً أو تحفّظاً ربما. أو محافظة على حدّ أدنى من موضوعية ادّعى.
والموضوعيّة/الحياد هو التحدّي الأكبر الذي حاول ابن كمّونة أن يواجهه. فهل نجح في رفع هذا التحدّي؟
هذا ما حاولنا الإجابة عنه في الخاتمة ملاحظين أنه نجح حيناً وأخفق أحياناً، مشيرين إلى النجاحات والإخفاقات في آن.
ولكننا، وللأمانة العلميّة، نطرح على ذاتنا السؤال عينه: ألا نخشى أن نكون قد وقعنا في ما حاول ابن كمّونة جاهداً تجنّبه، ولكنه وقع فيه. هل حاول فعلاً أن يكون محايداً، أم أن حياده الظاهر هذا كان مجرّد قناع لتمرير طعون وشبهات على المسيحيّة وخاصة على الإسلام؟!
الحُكم على النوايا أمر صعب بل شبه مستحيل، وليس بمقدورنا سوى أن نحكم على ما بأيدينا أي النص. وهذا الأخير يُظهر أن الكاتب اجتهد أن يقف على مسافة واحدة من الأطراف/الملل. فأصاب الهدف حيناً، وطاش سهمه أحياناً. ولكن هل نجحنا نحن بدورنا حيث زعمنا أنه أخطأ؟!.
وهل تقبل شهادة المرء عن نفسه؟ جلّ ما نقول أن الحياد التام في مسألة كهذه أمر عسير. فالدين يتناول أعمق ما في الإنسان: وجدانه، مصيره، خياراته في الحياة. ولكن هل يتطلب الحياد في جدال الملل الثلاث وسجالها وحوارها أن يكون المحاور غير منتمٍ لأي منها كي لا يشكّك في حياده؟ أيلزم أن تطبّق عليه الشروط الضروريّة للتحكيم في مباراة كرة قدم دوليّة مثلاً؟!
لقد آلينا جهدنا أن نلحظ لا أن نحكم. أن نحلّل المقولات والمواقف ونتبيّن دوافعها وخلفياتها لا أن نتّخذ بدورنا موقفاً منها، شاجباً كان أم مؤيداً.
سعينا بصدق أن نتعلّم من هفوات ابن كمّونة وأخطائه بقدر تعلّمنا من صوابه.
اجتهدنا، وللقارئ الحكم أيّ أجر يحقّ لنا: أَأجرُ المخطئ أم المُصيب.
Q.J.C.S.T.B
د. لويس صليبا
السوربون/باريس في 25/01/2009