بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
112
834282

صفحتنا على الفيسبوك

بحوث ومقابلات

زيارة البروفسور جاك فينيو إلى لبنان

Image may contain: 1 person, smiling, text

زيارة البروفسور جاك فينيو إلى لبنان

يسرني إعلامكم أن عالم النفس والطبيب المتخصص بالمعالجة باليوغا البروفسور جاك فينيو Jacques Vigne سيزور لبنان في فترة 1-15 أيار 2017. ونحن بصدد وضع برنامج لزيارته: محاضرات في مختلف المناطق، معاينات، محترفات  تعليم يوغا وطرق معالجة. لذا ارجو كل من لديه أي اقتراح لمحاضرة أو أي نشاط آخر الإتصال بي. أ. د. لويس صليبا

مدخل إلى اليوغا وموقعها في الأديان الكبرى

 

يوم الجمعة المقبل 17/03/2017 س 6مساءً في الحمرا تجاه فندق نابوليون محاضرة لِ د. لويس صليبا:"مدخل إلى اليوغا وموقعها في الأديان الكبرى"
 يتمحور اللقاء حول الجانب العملي من دون أن يهمل الجوانب الفكرية والنظرية: لماذا يتعلّم المرء اليوغا؟ وأية فائدة يرجو منها لصحّته الجسدية والفكرية؟ وهل من تعارض بين اليوغا ومعتقده الديني؟ وكيف يمكن أن يتعلّم اليوغا ويمارسها بأصحّ الطرق وأيسرها؟ وما الفرق بين اليوغا والتصوّف؟ وكيف تكون اليوغا وسيلة للوقاية من الكثير من الأمراض وعلاجاً لها?هذه الأسئلة الملحّة وغيرها تسعى هذه الندوة للإجابة عنها.آمل حضوركم 

 

Image may contain: 1 person, closeup

مقابلة عبد الاله بلقزيز

عبد الاله بلقزيز: ان "الحامل السياسي"ضرورة لتنتقل الافكار النهضوية الى الجماهير.

إنّ الأحداث العربيّة التي تلت ما يُعرف بالربيع العربي شهد الكثير من الإخفاقات والانسداد التاريخيّ. فكانا موضوع مقابلتنا حول المسألة الدينية في الوطن العربيّ، بعد الانتفاضة الشعبيّة وما تلاها من أصوليّات إرهابية. باعتبار أنّ الدين ورقة رابحة من خلال استغلاله في القضايا السياسيّة، حيث تجلت عودة الظاهرة الدينية على أكثر من مستوى. من بينها الممارسة السياسيّة، والعلاقة مع الآخر، والبنية الاجتماعية، ما يستدعي طرح الكثير من الأسئلة والإشكاليات، التي تتعلق بانتشار الظاهرة الدينية، ودور السياسات الخارجية  في توظيف الدين واستشراف مستقبل الإسلام السياسيّ، في ضوء مقاربة تجربة المسيحيّة السياسيّة في اوروبا. مع مناقشة تهدف الى إحياء مشروع نهضوي يطال المجتمع العربي-الاسلامي، ينقلها من هشاشتها وتناحرها الطائفيّ إلى دولة المواطنة والانسان والامان. كلها قضايا نعالجها مع الدكتور عبد الاله بلقزيز، باحث مغربي ّو مدير الدراسات في "مركز دراسات الوحدة العربية.

كيف تنظرون الى عودة الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا وكيف استحوذت على اهتمامات العالم؟

إنّ مظاهر التدين زادت في مجتمعاتنا وهذا أمر مؤكد. لأنّ العلاقة في الأساس لم تنقطع. إنّ صلة الدين في الاجتماع العربيّ - الإسلاميّ المعاصر حتى في اللحظات التي كانت فيه متصالحة مع عصرها ومحيطها الاجتماعي والمادي.  وقد يُفهم من العبارة هذه الاستثمار السياسي في الرأسمالي الديني وما ينجم من هذا الاستثمار، حركات سياسيّة تسمى بالحركات الحزبية او الإسلام السياسي.  أنا أعتقد أنّ مسالة عودة الظاهرة الدينية ، امر لا يدعو الى الاستغراب في الانظمة الاسلاميّة السياسية.  وإن كان كذلك، في الغرب. ونحن نعلم انّ في الغرب، نُشرتْ دراسات عديدة حول عودة الدين. إنّ عودة الدين بالنسبة إلى المجتمعات الغربية،  يطرح الكثير من علامات الاستفهام، لانّ هذه العودة تبدو لكثيرين وكأنها  قرينة على اخفاق مشروع الحداثة الغربية.

هل تعتقدون ان اخفاق العلمانية الغربية الشاملة فشلت في تحقيق  اهدافها على صعيد البعد الانساني والسياسي والاجتماعي؟

ان الذين يطرحون المسألة على هذا النحو من الباحثين الغربيّين، يفترضون أنّ ثمّة ازمة في منظومة القيم التي قام عليها الغرب، بما في ذلك العقلانية  والعلمانية.

هل لكم ان تحدّدوا لنا ذلك، فعلى سبيل المثال هناك عودة في الغرب وتحديداً في فرنسا الى شدّ العصب الكاتوليكي وتزاحم لخطاب اليمين المتطرف تجاه الاسلام وهجرتهم الى اوروبا. وهذا ما كان لافتًا في خطاب الحزب الجمهوري للرئيس دونالد ترامب في خطابه المعادي ضد الاسلاموية. في رايكم كيف تفسرون مسالة عودة الغرب الى التدين في حين ان البلدان العربية تعيش مخاض عسير من اجل الذهاب باتجاه الفصل بين الدين والدولة؟

ان ما يجري على سبيل المثال في فرنسا، وتحديداً الذين كتبوا في الموضوع انطلاقا من العلمانية الغربية اليعقوبية المتطرفة  التي الغت  الدين والمظاهر الدينية من الحياة العامة واكثر تمظهر لذلك، يكمن في الغاء الدين من البرامج المدرسية. حيث كان لهذا الالغاء القسري والعنيف آثار معاكسة ، بمعنى انه انتج نقيضه في المجتمع الفرنسي. وهو الهوس الجماعي بالمسائل الروحانية. وهذا ما يفسر لماذا تلجأ اكثر نسبة من الفرنسيين الى التنجيم في مجتمع علماني متقدم. وهذا ما يفسّر لماذا يستطيع اليمين المطرف ان يكسب قطاعات اجتماعية عريضة في المجتمع الفرنسي. اذًا هناك ازمة حقيقية في نموذج المجتمع الفرنسي التي ارسته العلمانية الفرنسية في اوائل القرن العشرين. ان هؤلاء يحاولون ان يفسروا اسباب هذه العودة المتزايدة للدين. دعينا من الغرب، ففي مجتمعاتنا العربية لا يمكن ان نقول ان الدين انسحب من الحياة الشخصية والحياة العامة لكن يمكن ان نقول إنه عاد وهو موجود دائماً. فهو عملية ملازمة للحياة الاجتماعية. لكن الجديد في الموضوع فقط هو ان الافكار الحديثة التي تكسب افكاراً وانصاراً وبيئات اجتماعيةً في المجتمعات العربية، بدأت تتراجع من خلال تعبيراتها الثقافية والسياسية. فعلى سبيل المثال هناك حركات مثل اليسارية والليبرالية والقومية والشيوعية والديمقراطية تراجعت مقابل صعود الحركات الدينية والاصولية والطائفية. وهذا الصعود والافول  هما معا مظهران لهذا التراجع الذي تحدثت عنه على صعيد الفكر الحديث في الاوساط الاجتماعية. اما الجديد في هذا كله يكمن في انّ الدين لاول مرة يدخل هبذا القدر الهائل من القوة في المجال السياسي.

هل لكم ان تشرحوا لنا واقع الدين في الامس مقارنةً مع يومنا هذا؟

هناك مثال بسيط يجب الانطلاق منه، وهو ان خريطة الاحزاب التي كانت موجودة في البلاد العربية  منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن، سوف تجدينها إمّا وطنية او ليبرالية او قوميّة او شيوعية ومنظمات مركسية - لينينية . وفي ما يسمى الاسلام السياسي، لم يكن هناك سوى جماعة الاخوان المسلمين وحزب التحرير الاسلامي. بينما اليوم، هذه الاحزاب العلمانية بين قوسين، انسحبت من المشهد، واصبح المشهد كله مزدحماً بالتيارات الدينية. حيث اننا لم نعد امام كائنين اسمهما الاخوان المسلمين وحزب التحرير الاسلامي، بل امام عشرات الكائنات الاسلامية السياسية من مشارب ومنابت مختلفة. اذاَ هذا مظهر كبير من مظاهر الاجتياح الديني السياسي للمجال السياسي.

انطلاقاً مما تفضلت به، إنّ في العصر الحديث اصوليتين بارزتين،  اسلامية ومسيحية، ولدت الاصولية الحديثة على اثر سقوط الخلافة الاسلامية والاستعمار الغربي وجاءت الاصولية المسيحية كجبهة ضد النقد التاريخي للنصوص المقدسة. فالاصولية نمط من التفكير ينطبق على كل الاديان، لماذا في رايكم يتم التركيز فقط على الاصولية الاسلامية؟

لعلّ السبب في ذلك، هو ان الاصولية الاسلامية دخلت في التعبير عن نفسها عسكرياً،  فيما لم تجنح الاصوليات الاخرى الى ذلك، بما سُمّيَ بظاهرة الارهاب او كما تسمي نفسها، بالقوى الجهادية. ان الانتقال من العنف الرمزي الفكري التي تمثله هذه الاصوليات، أكانت يهودية او مسيحية ام اسلامية. يمثل هذا الانتقال عملية من العنف الرمزي الفكري الى العنف المادي من اجل تسليط الضوء على الاصولية الاسلامية. فالغرب يمارس بذلك عملية انتقائية، بمعنى ان العالم العربي-الاسلامي عانى من هذه الاصولية في داخله منذ عام 1970 و1980 و1990 لكن ما من احد كان يتحدث عن مخاطر الاصوليات الاسلامية الى حين ضربت هذه الجماعات نيويورك وبنسيلفانيا وواشنطن. انقلبت الصورة وبدأ تسليط الضوء على الاصولية الاسلامية  ولانها لم تكن تشكل خطرا على البشرية الى ان مسّت الرجل الابيض. اذاً كان التركيز على الاصولية الاسلامية فقط من منظور انتقائي نتيجة التهديد الوجودي الذي مارسته هذه الاصولية على مصالح الغرب. اما ان يعيش فسادٌ في مجتمعاتنا ويمزقها، فهذا امر لا يهمّ الغرب. فهذه الجرائم والابادات التي تُرتكب في اليمن وسوريا والعراق  وليبيا، فكل هاجس الغرب تجاهها، هو في ان لا تنتقل شرارتها الى الداخل الغربي اي اوروبا وغيرها.

برأيكم الى اي مدى يمكن  القول إنّ الاصولية الاسلامية جاءت كردّة فعل ضد الاصولية المسيحية؟

اولاً هذه الأصوليّات لها جذور في تاريخنا الفكري والثقافي والديني، فهي ليست تستعير غيرها.

هناك نظريتان تقومان على اساس ان الاولى تنطلق من ثوابت ان الاستعمار والغرب هو المسؤول عن ما آلت اليه الاوضاع العربية واخرى تنطلق من فكرة ان الاسلام هو العائق في الدرجة الاولى. اما تقدّم  المجتمعات العربية وتحديثها، لان هذه العقيدة لا تقبل الاصلاح ولا التجديد في ارثها الديني. في رأيكم اين تكمن النزعة العربية؟

ان اوضاع العرب هو بمثابة نسيج مركب من عاملين: الاول، هو بفعل العامل الخارجي الكولونيالي والصهيوني. والثاني بفعل العامل الداخلي بتمركز الاخطاء والداء السيئ لادارة شؤنها طيلة قرن ويزيد. فالمسؤولية مشتركة. انا لا اعلق الانسداد التاريخي فقط على العامل الخارجي تحت عنوان" مؤامرة العالم ضدنا" .كما انني اجلد الذات وانسى ماذا فعلت الصهيونية  والمشروع الكولونيالي الاستعماري في المنطقة منطقتنا . فالمطلوب، قراءة  المشهد العربي بتجرد والعينتين. انا لا اقول ان الاسلام يحث على العنف. ان الاسلام شأنه شأن ايّ عقيدة  دينيّة اخرى، فيه من الموادّ الخام الصالحة  لاستثماره  باتجاه التسامح والحوار والتعايش. كما يمكن ايضا تظهير الجانب السلبي من الدين، عبر تعزبز مشاعر الكراهية والعنف والاكراه والارهاب والتطرف اكان ذلك في اليهودية او المسيحية ام في الاسلاميّة. فكيف تفسرين مثلاً المسيحيّة  وهي رسالة التسامح والاخوة والمحبة  والانسان، تُنتج اعتى واشدّ انواع التعذيب والقتل والابادة والارهاب والتطرف  والحروب في التاريخ. هذا لا علاقة له بالسيد المسيح. فالمسؤولية  تقع على جرائم الغرب بحق الابرياء. كما إنّ الاسلام ليس مسؤولاً عمّا ارتكبته الجماعات الجهادية باسم الاسلام . فالخلل ليس موجودًا في النصوص، بل في من يقرأ هذه النصوص، وكيف يقرؤونها، ولاي غرض يقرؤونها. فهذا النوع من القراءة  التي تعتمد تجنيد هكذا نوع من القراءة لخدمة مصالح الغرب الامبرياليةّ  والصهيونية دونيوية. اذًا المشكلة  في الأساس ليست في الدين، بل في التاويلات التي اصبحت لها غلبة في مجتمعاتنا العربية، حتى إن الاصوليات المسيحية  الغربية اليوم اصبحت شيئاً مخيفاً. ان انتشار المدارس الانجيلية وثقافة الكراهية في هذه البيئات الانجيلية اصبح يهدد الحضارة الكونية وليس فقط يهدّد المسلمين والمسيحييّن  في اميركا  وفي غيرها من الدول. خصوصًا عندما تتحول هذه الثقافة الى مصدر لصناعة القرار. ولاحظنا ذلك، في حقبة المحافظين الجدد الذين  كانوا يستندون الى الثقافة المتطرفة والمنغلقة. اذا الدين براء من اي تهمة . ان كل دين يحتمل توجّهات عدّة، لان النص يحمل اكثرمن معنى . فهو قد يحمل بعداً انسانيا تنويرياً واصلاحيًّا  وقد يحمل بعداً شيطانياً دنيوياً ومصلحة سياسية.

اسمح لي  هنا، ان انطلق ممّا شهدناه تحت ما سُمّيَ "بالربيع العربي". هل تعتبرون هذا الربيع العربي ثورة. لماذا؟

إنّ الربيع العربي ليس ثورة. الثورة لها شروطها التي لم تتوفر في هذا الربيع. فكل ثورة بالضرورة هي مشروع اجتماعي متكامل اي لتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعمل على نقلها  نحو طور التحول النوعي الجديد. ان اسقاط النظام ليس ثورة، كما انّ الانقلاب العسكري او اغتيال الرئيس ليس ثورة. لا ينبغي ان نطيح بالرئيس اوبالنظام  حتى نقول إننا انجزنا ثورة. فالثورة، هي التغيير الشامل لبنية علاقات الانتاج وهذا ما افتقرت اليه تجربة الربيع العربي في الوطن العربي. ثانيًا، الثورة لا يمكن ان تنتهي بالحرب الاهلية وسفك الدماء. وما حدث سنة 2011من انتفاضة شعبية تحولت اليوم الى تمزيق وانقسام عمودي وتفكك الاوطان العربية وللنسيج المجتمعيّ وتدمير الدول ، فعن اي ثورة يتحدثون؟ وهل تعني الثورة، النزول الى الشوارع والساحات؟ او الحرب الاهلية كما حصل في لبنان مما ادى بالدعوة الى حمل السلاح والحرب الاهلية.

في مقالة لحضرتكم تذكرون " نحن والغرب لا قياس مع فارق" اي تلمّحون الى ان التفاوت بين المجتمع الغربي والعربي لا يكمن في المنسوب التراكمي وانّما في طبيعة التكوين الاجتماعي-السياسي التي تتولد منه الازمات من خلال المواطنة الماملة والاندماج الاجتماعي الحقيقي القائم على التمثيل السياسي لا على التمثيل العصبوي(اي القبائلي والعشائري والطائفي والمناطقي،،) بينما العرب عندهم ديمقراطية لم تتجاوز مفهوم الدسائري على كسب الاصوات عبر الاقتراع. في رايكم كيف يمكن احداث قياس فارق لكي يتم تحويل المجتمعات  العربية من " مستهلكة " الى "منتجة" تتخطى منطق التبعية؟

هناك قاعدة يجب الانطلاق منها لاحترام عقولنا، وهي انه لا ديمقراطيّة من دون ديمقراطيين. وهل الذين قادوا الحركات الاحتجاجية كانوا في جملة القوة الديمقراطية؟ ان المجتمعات حيث المؤسسات الاجتماعية فيها غير قائمة على علاقات ديمقراطية من الاسرة الى العائلة الكبرى الى الحارة الى المدرسة الى المسجد والكنيسة الى النقابة الى الحسينيات. هذه كلّها مجتمعات لا تتمتع باي ناظم ديمقراطي داخلها، ولا تشرع للمنتسبين اليها تنشئة ديمقراطية. فمن اين ستاتي الديمقراطية, من السماء؟ الديمقراطية تبنيها المؤسسات. المؤسسات العربية ليست ديمقراطية لتبني ديمقراطية . فالحديث عن الديمقراطية لا يكفي ان تقاوم الاستبداد فقط، بل ايضاً أن تمارس الديمقراطية في الحياة العامة والاجتماعية  في الاسرة مع الزوجة والاولاد والتلاميذ والموظفين. ان تربيتنا غير ديمقراطية وسؤالي هل الديمقراطية تكمن في حمل السلاح وفي مجتمعات هشة، تعزز ثقافة العنف وتساعد في انتاج نقيضه. كفى تكاذباً ونفاقاً، فمثلاً لو نزل جمهور طائفة معينة في لبنان يطالب بتغيير النظام الطائفي في لبنان والمطالبة بنظام ديمقراطي، ستكون ردة الفعل المباشرة ، هوان ينزل جمهور طائفي ذات ردة فعل نقيضة له يصطدم مع الاول؟ لانّ مجتمعاتنا منقسمة انقساماً عمودياً وليس طبقياً او افقياً بل على اساس عشائري وطبقي وطائفي. هذا التكوين العصبوي المبني على العصبيات، هو اساس هشاشة المجتمع العربي. ولذلك، ما ان تدخل على الخط ازمة كبرى كالتي حصلت مع الربيع العربي، للانتفاض على ازمة السلطة حتى تنفجر الاوضاع. وهذا ما حدث في كل من العراق وسوريا ولبنان.

ما المطلوب اليوم في ظلّ هذا المأزق العربي الكبير؟

انا سأنطلق من بلدي، وهو مجتمع مغربي حيث كانت المطالب الاحتجاجية فيه عقلانية وناضجة. وكانت تدرك أنّه ثمة مسافة موضوعية في السياسة  بين المطلوب والمتاح تحقيقه، بين الواجب وبين الممكن . فإذا لم نهتدي إلى قراءة هذه المعادلة والمسافة بين الامكانيات المتاحة والمطالب القسوة، فتكون النتيجة إمّا الصدام، ويكون مصيرنا الغيبة والصدام والفشل والانهزام واليأس والاستسلام والشعور بالغيبة والانكفاء، وإمّا أن نطلب ما يمكن تحقيقه بعقل واقعيّ سياسيّ. وطبعًا لا يعترف بالامرالواقع، لكن يستطيع التقدّم رويدًا رويدًا الى خطوات متراكمة نحو انتزاع مكتسبات. فنحن في المغرب العربي عبر شعار الاصلاح السياسي وليس قلب النظام، وبمطالب قابلة للتحقيق، استطعنا أن ننتزع هذه الحقوق. وبالتالي، هذا هو السبب المباشر للانسداد التاريخيّ في الوطن العربي، الذي حال دون تطوّر واقامة تغيير عاقل في مجتمعاتنا العربيّة.

لاحظنا ان الانتفاضات الشعبية كانت سلميّة، واذ تنحرف يسكُبها الاصولية والتطرف وتخرج عن اهدافها الاساسية. في رأيكم لماذا نجحت الثورات في اسقاط عروش في كل من اليمن وليبيا والعراق ومصر وتونس، ولم تفلح في اسقاط النظام في سوريا على الرغم من المجازر واستخدام الاسلحة الكيماوية وعملية التهجير المبرمج؟ وهل استمرار النظام السوري على الرغم من محادثات جنيف والاستانة لا يزال المجتمع الغربي متمسكاً في بشار الاسد لخلفية أنّ هذه المنطقة، اي بلاد الشام، لا يمكن أن يحكمها الاّ ديكتاتورٍ عادل؟

هذا سؤال مهمّ. إنّ الثورات التي بدأت في كلّ البلدان العربية، بدأت حركة احتجاجية مدنية وسلمية، ثمّ انحرفت عن خطها السلميّ وحملت السلاح، وانسحبت من المشهد. وأصبح كلّ من اطلق الشرارة من القوى المدنية انسحبت وبقيت الميليشيات. فعن اي تغيير نتحدث عندما تتمزق الاوطان؟ فما يجري في سوريا جريمة كبرى بكل المقاييس، لم تحصل حتى في الحقبة  الاستعمارية. فمن الخطأ الاعتبار أنّ الغرب لا يريد  إسقاط كل هذه الانظمة من تونس وصولاً الى سوريا. لكن ما جرى في سوريا يختلف عمّا يجري في  ليبيا ومصر والعراق. فالقاعدة الشعبيّة للرئيس الاسد ونظامه، صمدا امام هذه المؤامرة وفرضا واقعهما على المجتمع الدولي من خلال أنه لا حل من دون الاعتراف بوجوده. فالمسالة  السوريّة نجحت لصالح النظام لانّ الدولة السورية متماسكة بعكس وضعية البلدان الاخرى. فهل تصديقين انهم يريدون الديمقراطية في بلداننا؟ الديمقراطية هي اكبر سلاح تمتلكه شعوبنا لمواجهة الغرب الامبريالي. يوم يكون فيها نظام ديمقراطي وحياة ديمقراطية، لن تستطيع شركاتهم أن تسرق وتنهب ثرواتنا، لانّها ستكون تحت الرقابة الشعبية. لذلك كانوا انتقائيّين في اختيارهم للديمقراطيّة. فهم يطالبون بالديمقراطية في سوريا والعراق واليمن وتونس. بينما في بلدان ليس فيها دساتير ولا حقوق ‘نسان ولا احزاب ولا حقوق للمرأة ولا من يحزنون، تركت تتمتع براحتها الأبدية ولم يطالبْها أحد بالانفتاح الديمقراطي والاصلاح. ناهيك أنّ تلك الانظمة تابعة للولايات المتحدة ودول الغرب،  بينما نظام كلّ من معمّر القذافي وبن علي والاسد ومبارك كانلامثل شوكة في خاصرة الغرب. لذا تمّت ازالتهم والعمل على تدميرهم واستنزافهم عبر قوى يسخّرها الغرب لمصالحه الجيواستراتيجية وتنفيذ اجندتها السياسية .

أمّا القول بأنّ عروش كل من تونس ومصر وليبيا والعراق سقطت لانهم لا يشكلون خطرًا، وأنّ النظام عميل غربيّ، لذا تمّ ابقاء في السلطة، هذا كلام ليس صحيحًا. الحقيقة هي انّ ما جرى في تونس ومصر، هي أنّ الجيش ،وهو اكبر قوة في البلاد، اتخذ موقف الحياد في معركة بين الشارع والنظام، فكانت النتيجة انّ الرئيس هرب في تونس وفي مصر جاء المجلس الاعلى للقوات المسلّحة وطلب منه التنحي، فالقى نائب الرئيس خطاب التنحي . ولو لم يتدخل المجلس الاعلى للقوات المسلحة او يطلب من الرئيس التنحي، لبقي المتظاهرون في ميدان التحرير حتى الآن. اذا دور الجيش كان حاسماً. اما الوضع في سوريا فيختلف، فالجيش منذ بداية الازمة وقف مع النظام.  غير انه حدثت انشقاقات لا تذكر (الجيش الحر). لكن الجيش بقي موحداً ومتماسكاً. وطبعاً الجيش هو اهم مؤسسة في مؤسسات الدولة. هذا ما يخصّ العامل الاوّل. بينما العامل الثاني، في تونس ومصر هناك قدرٌ ما من الاندماج وليس هناك طوائف. كله مجتمع سنّي مالكي. كما ان هناك في مصر تعايشاً عمره آلاف السنين بين المسلمين والاقباط. والدولة المصرية لها تقاليد عمرها خمسة آلاف سنة، لا علاقة لتقسيمات سايكي-بيكو فيها. هذا الندماج للمجتمع التونسي والمصري ساعد على تخطي اختبار الانقسام والنزاع الداخلي والطائفي.

إن الواقع السوري يختلف تماماً. فهو يعاني من تركيبة فسيفسائي طائفي ومناطقي. ومع ذلك، فان الانقسام في سوريا لم يكن طائفياً، بدليل انّ القاعدة الاساسيّة للنظام السوري متشكل من السنة الذي يبلع نسبته 80%، والسؤال لماذا لم ينشقوا، وسمحوا للأقليّة التي توالي الرئيس ان تحكم؟ إنّ المدن الكبرى كدمشق العاصمة، هي سنية، اضافة الى حلب قبل التكالب التركي-الاميركي عليها، هي ايضا سنية. اذا هناك عوامل متعلقة بالتركيبة السوسيو- سياسيّة للمجتمعات العربية لعبت دواراً كبيرةً في الصراع المحتدم داخل البلدان العربية. وهنا اريد ان اثني على فكرة ان ما من نظام في الاساس سقط، من تونس الى سوريا. فالذي تغير هو رأس النظام، بينما النظام لم يسقط. فمثلاُ، لا يزال علي عبدالله صالح شريكاً في المعادلة السياسية في اليمن. فالذي تغير هو انهيار الاستقرار الداخلي والفوضى والحرب والتمزيق.

امام مشهدية هذا المأزق العربي والانسداد التاريخي، ماهي الاهداف التي يجب تحقيقها لبلوغ مشروع نهضوي عربي-اسلامي؟

اولاً، علاقة العرب بالنهضة ومشروع النهضة ليست حديثةَ العهد. فمنذ القرن التاسع عشر وسؤال النهضة يشغل بال النخب الفكرية والسياسية العربية. وذلك، منذ أن بدأ مشروع محمد علي في مصر في الربع الاول من القرن التاسع عشر، ومنذ انطلاق المشروع الفكري النهضوي مع رفاعة الطهطاوي ومحمد عبدو وعبد الرحمان الكواكبي حتى اليوم، هناك مشروع  نهضوي. فما حصل هو انّ هذا المشروع اغتنى فكرياً في النصف الثاني من العشرينات. لكنّ هذا المشروع اصطدم بجملة من العوائق. أولها قبضة الاحتلال الاجنبي، لانه اجهض عملية تبلور هذه النهضة التي كانت انذاك تتكوّن، منذ ولادة مشروع محمد علي. وبعده جاء المشروع الكولونيالي وبعده المشروع الصهيوني الذي تولّد من المشروع الكولونيالي. ونحن نعلم ماذا فعلت إسرائيل في المنطقة العربية ضد مصر وسوريا والعراق ولبنان. ناهيك عن الشعب الفلسطيني وبعد المرحلة التي اعقبتها صعود النخبة الوطنية والقومية الى السلطة. هي مرحلة جذر بكل ما للكلمة من معنى، والتي اقترنت بالطفرة النفطية والانقلاب في ميزان القوى داخل البلاد العربية، بين مراكز الثورة ومراكز الثروات، بحسب محمد حسنين هيكل. واصبح القرار الذي كان يُصنع في القاهرة ودمشق وفي بغداد، يُصنع في عواصم النفط والغاز. وهذا قسَمَ موازين السياسة في الميدان الثقافي والاعلامي، حيث تغيرت منظومة قيم بكاملها في هذا الانتقال من عصر الثورة الى عصر الثروات. وكل هذه القوى التي تملك الثروات هي قوى تابعة عضوياً للسياسات الغربية والاميركية بشكل خاصّ.

انطلاقًا من هنا، هل يمكن اعتبار نظام الأسد تابعًا لأجندات أجنبيّة، كما هو حال دول البيترودولار، لذلك هم متمسكون به الى الآن؟

كلا!، لو أنّ النظام تابع لسياسة الغرب، لما تعرض لكل هذا التدمير والفوضى والتمزيق الاجتماعي والإرهاب والعقاب. فالحديث عن سقوط أنظمة وعدم سقوط أخرى ، كأن هناك مشروع اسقاط كل الانظمة العربية . فمثلاً في تونس فعلوا ما فعلوه، لأنّ النظام كانت له تبعية لفرنسا وليس لاميركا. ثمّ إن اسقاط بن علي هو بمثابة عقاب لفرنسا ونفوذها ايضاً، ومزاحمة للنفوذ الفرنسي في المغرب العربي. ما يهمّني ذكره هنا، انّ هناك مشروع عربي نهضوي، على الاقل فكريًّا، نعثر عليه في كل ما كتبه الرواد الكبار من المفكرين العرب منذ زمن  رفاعة الطهطاوي حتى اليوم. ومشكلة هذا المشروع النهضوي العربي أنه لا يجد الحامل السياسي. وممكن ان نقول ان هذا الحامل كان موجوداً ايام محمد علي، وفي القرن العشرين ايّام جمال عبد الناصر، بينما اليوم لا يوجد اي حامل سياسي.

هل يمكن ان نعتبر أنّ حزب الله يمثل اليوم نوعًا  من الارضيّة لهذا الحامل السياسي العربي في القرن الواحد والعشرين؟

ليس حزب الله ظاهرة عربية بل حزب موضعي. بمعنى أنه حزب مقاوم على الساحة اللبنانية في مواجهة الكيان الصهيوني. فهو ليس ظاهرة ناطقة بالوضع العربي. هو يشكل كيانًا ذات بوادر خير، من حيث أنّ ما فعله في مواجهة الغطرسة الصهيونية لم تفعله انظمة كاملة، وما اذاقه حزب الله من مرارات انهزام للكيان الصهيوني لم يُذقه اي نظام عربي لهذا الكيان الصهيوني. لكن لو تواجد حزب الله في مصرلاختلف الموضوع. لكنه متواجد في لبنان، ما يعني انه محكومٌ بالموقع الجغرافي والحاضنة الشعبية المحدودة وان كانت آثار فعله عربية على نطاق واسع. فالمجتمعات العربية تفتقر الى الحامل السياسي، لذلك يقول ماركس: ان الافكار تتحول الى قوة ماديّة حين تمتلكها الجماهير الشعبية. واذا لم تجد هذه الافكار الحامل السياسي وتصل الى القاعدة الشعبية، فهي تبقى مجرد افكار، بما في ذلك الاديان. فالمسيحيّة لم تستطع ان تصبح ديناً عالمياً، حتى تبنتها الدولة الرومانية،  حيث خرجت من الشرق وانتشرت في العالم. كذلك الاسلام، لو لم تبنى دولة المدينة بالسيف وتتحول الى امبراطورية لما انتشرت في العالم.

هناك من يظن أن الخروج من ازمة الدين والذهاب باتجاه اصلاحات دينيّة،  يساعد على الحد من التطرف والارهاب. لكن تجربة الحركات الاصلاحية، كالبروتستانت التي قامت ضد طبقة الاكليروس والبابا ومحاكم التفتيش، وحاربت صحوة الغفران، سقطت هي الاخرى في فخ العنف والالتزام الحرفي للكتاب المقدس حتى انها جاءت بقوانين أشدّ قسوة مما كانت عليه  القوانين الكاثوليكية وتولد عنها التيوقراطية وجماعات كالانابابتست والبيروتيان التي تطورت وكانت بذرة الاصولية المسيحية الحديثة. سؤالي كيف تفسر هذا التقهقر لدى الحركات الاصلاحية عموماً اكانت علمانية تنويرية او اصولية دينية؟

كل فكر ديني لا يتطور. يصبح هو في ذاته سلفيّا، وهذا ما يحصل. إنّ الاصلاح الديني في النهاية اصبح حركة طائفية انتجت مذهباً جديداُ في المسيحية ولم تحلّ المشكلة. ثارت على منهج البابوية ونظام الاكليروس والتعاليم الكاتوليكية، لكنهّا انتهت الى إنتاج  مذهب جديد وهو البروتستانت، فاصبحت المسيحية مذاهب تفاوتت بين بروتستانتية وارثوذكس وكاثوليك. في حين انها كانت ثورة وقفت في وجه استبداد المؤسسة الكهنوتية وألغت الدين ونصبت نفسها الناطق الرسمي باسم هذا الدين. وحاولت البروتستانتية من خلال مارتن لوثر ان تعيد الصلة المباشرة بين المؤمن والنصّ، من دون وسائط او كهنوت وربطت اليوم الكنائس بالدولة. اما في ما يتعلق بمجتمعاتنا العربية، إن الاخفاقات العلمانية الغربية، تعيق المجتمعات العربية من تبنيّ نموذج التجربة الغربية لبناء دولة علمانية، تُرسي البعد الانسانيّ ومنطق التسامح، والحديث عنه. اذًا التجربة الغربية صالحة وغير صالحة  لنتبنّاها في المجتمعات العربية. اسمحي لي ان اقول إنه لم يحدث في التاريخ الاسلامي ان قامت سلطة دينية على الدين. فكل ما في الأمر، أنّ هذه السلطة تتوسل الدين لشرعنة نفسها، باستثناء دولة المدينة ايّام الرسول وحقبة الخلفاء الراشدين. فالدين كان ضرورياً لاكتساب السياسة مشروعيتها منذ الخلافة الأمويّة فصاعداً، مع فارق كبير. فالدين كان ضروريًّا لإكساب السياسة شرعيتها مثل الحالة السعودية  وايران وغيرها. كان سبينوزا يقول إن قوة الدولة ان تحتكر الدين وليس النظام السياسي. ما يعني ذلك أن الدين مثل الثروة ملكية جماعية ولكي تحفظها وتمثلها، على الشعب ان يكون هو مصدر شرعيتها وتاتي الدولة في المقابل لتحفظ هذا التمثيل وهذه الشرعية  وليس النظام السياسي. لذلك، على الدولة ان تبسط سيادتها على الدين، لانّها إذا لم تفعل ذلك، فسوف يصبح الدين موضع منازعة بين الاطراف، حيث كل فريق يدّعي لنفسه انه ممثل الشرعيّ، ويفرض على المخالف حكمه بالقوة. وبالتالي على الدولة  إخراج  الدين من المنازعات السياسية. ولو اننا نجحنا لما شهدنا  اصوليّات دينيّة وسياسية. ولما شهدنا فريقًا يمارس  الشرعية باسم الدين ويقول هذا هو الاسلام الصحيح. ولما شهدنا التكفير والكراهية (من النصرة وداعش والاخوان المسلمين).

لا احد يعترف بالاخر . الكل يكفر ويحسب نفسه هو الاسلام الصحيح. لذلك، يكمن الحلّ في اخراج الدين من لعبة الصراع على السلطة، ولا احد يستطيع فعل هذا الخروج سوى الدولة. فابسطوا سلطان الدولة.

ان مواقف الاصولية المسيحية المتعاطفة والمساندة للكيان الصهيوني نتيجة  ابعاد دينية تثير لدى الكثير من المسلمين والعرب الارتياب والقلق، ويحول جديًّا دون قيام حوار حقيقي بين أبناء الارض الواحدة. الى أي حد يمكن ان ينجح الفصل بين معتقدات اصولية  وبين واقع بكل تركيبته لقيام تعايش حقيقي يحترم الاختلاف بعيداً عن الرياء والباطنية السياسية؟

أوّلًا الغرب لا يقبل أن يُختصر بالمسيحية الاصولية أو الصهيونية المسيحية، لانّ في ذلك تصويرًا له كاركاتوريًّا من الكثيرين. فالغرب ليس أصولية مسيحية ولا يهودية مسيحيّة. كما ان العالم العربي الاسلامي ليس هو الاسلام الجهادي. هذه الصور النمطية التي كوّنها المجتمع نحو الاخر، يجب ان تنتهي لان دورها الوحيد، هو في دقّ الاسفين بين المجموعات البشرية والامم والثقافات. كما في الغرب طغاة مستبدون وقتلة، هناك ايضاً جماعات مسالمون وإنسانيّون وعلميون. كانت في البدان العربية جماعات اسلامية-عربية تفرّ الى الغرب وتحظى بظروف انسانية واجتماعية، وتحظى بالحماية والرعاية. كما هناك أيضًا جماعات شيطانية وطغاة وسفّاحون، هناك ايضا أشراف وقوميّون ولبراليّون وعلمانيون واصلاحيون  تنويريون في المجتمعات العربية. انّ لغة المطلقات يجب ان تنتهي. فكل مجتمع مفتوح على التناقضات الداخلية. ان الغرب متعدد في داخله، مثله مثل البلدان العربية، والكلّ يبحث عن رديفه. لماذا هناك علاقة وحلف مقدس بين الرئيس الامركي جورج بوش والاستخبارات الجهادية؟ لان مصالحهم مشتركة. فمثلاً العولمة تخدم المشروع الارهابيّ، والمشروع الارهابيّ يخدم مشروع العولمة. إنّهما وجهان لعملة واحدة.  كما هو أيضًا حال المتحررين والاصلاحيون والعلمانيون. لهم مصلحة مشتركة لانّهم ضد التمييز والعدوان والاحتلال والاستبداد والفقر والتخلف وكل اشكال الانتهاكات الانسانية. فالغرب هو الاصلاح والتنوير وحقوق الانسان والديمقراطية وليس فقط الاستعمار والصهيونية والكولونيالية.

ما هو السبب الأساسي الذي تردّون اليه فشل المشروع القومي العربي وايضاً اليوم المشروع الاسلامي؟

إنّ فشل المشروع النهضوي العربي-الاسلامي يعود لاسباب عديدة. شرحت هذه الاخفاقات العربية الاسلامية وشخّصتُها في كتابين لي، "العروبة الى العروبة" و"نقد الخطاب القومي". حيث شرحت بالتفصيل واقع اسباب هذا العجز والانتكاسات العربية –الاسلامية . باختصار شديد، ان المشروع العربي كان فيه فجوة بين جانبه الفكري  وجانبه السياسي والاجتماعي. فبمقدار ما كان المشروع الفكريّ متقدّماً، بقدر ما كان  المشروع السياسي متخلفاً. ولم يُستثمر الجانب الفكري بشكل كافٍ. ثانيًا، ان المشروع القومي تعرض لاخفاق نتيجة التناقض بين قواه، مثلاً العلاقة بين مصر وسوريا والعراق. فعلى سبيل المثال العراق وسوريا كانا محكومين من قبل حزب واحد وهو حزب البعث. هذا التناقض الداخلي ساهم في استنزاف المشروع القوميّ، هذا على مستوى العلاقات بين أطرافه. ثالثًا، تأذى المشروع القومي كثيراً نتيجة العثرات والإدارة السيئة والخاطئة في الحكم، خصوصًا تلك المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان أو التنمية والاقتصاد. هذا ما خصّ الاخفاق لأسباب داخلية.

وبالتالي هناك ايضاً الاسباب الخارجيةـ كالحصار والامبرياليّة المستمرة واستخدام الادارة الصهيونية. كمخلب قطّ لضرب قوى هذا المشروع. اسقط جمال عبد الناصر في حرب 1967 واسقط صدام حسين في الغزو العراقي عام 2003 . واليوم هناك محاولة لضرب اي مقاومة واسقرار لدولة سوريا الصامدة امام عدوان العالم، يتم تخريبها وتدميرها بمنهجية مبرمجة، إمّا عن طريق الارهاب او عن طريق السلاح الكيمياوي. اضف انه لا يجب اخفاء الاثر المادي الفاضح للاثر الخارجيّ، على اسباب فشل المشروع القومي العربي-الاسلامي في تحقيق نهضة عربية.

في الختام، كيف يمكن حل مسألة الغرب الذي يحول دون تقدم المجتمعات العربية من اجل تحقيق اهداف هذا المشروع النهضوي؟

هذه معركة يجب ان يشترك فيها جميع بلدان الارض، بما في ذلك البلدان الغربية. وان اردت ان تقولي، ما هو شكل الواقع العربي في ما لو لم يتواجد فيه التهديد الغربي، اين سيكون مصير العرب. اقول لكِ ان الضغوط كانت ستخفّ علينا، ويمكن لنا حينها معالجة الازمات الداخلية واسباب الخلل الداخلي عندنا. فانتِ لا تستطعين معالجة الازمات الداخلية وانتي تحت الضغط والتهديد الخارجي. فالمسألة كمن يطالب على سبيل المثال النظام الاسد بالاصلاحات السياسية وهو يعيش في حرب اهلية.

 

 

 

مقابلة بعنوان:"مغالطات حول فقه الردة في الإسلام مع بروفسور لويس صليبا

 

حلقة بعنوان «مغالطاتٌ حول فقه الردّة في الإسلام» من برنامج أ ل م لقناة الميادين، مع الإعلامي يحيى أبو زكريا. ويشارك في النقاش من لبنان الدكتور البروفسور لويس صليبا الكاتب والباحث وصاحب كتب عدّة سوف يتمّ تناول بعضها أثناء الحلقة، ومن تونس الأكاديمي والبروفسور يوسف الصدّيق صاحب كتاب «الآخر والآخرون في القرآن الكريم».

·      دكتور لويس صليبا، مرحباً بك في حلقتنا هذه، وأحبّ أن أعرّف بكتابك كتوطئة لبحثنا "حد الردّة ركن التكفير". طبعاً قراءة فقه الردّة تتمّ من جوانب عدّة، ربما إذا قرأنا حكم الردّة فقهياً وقد استعرضتُ آراء الفقهاء المتفقين بالإجماع حول ضرورة قتل المُرتدّ، لكن كيف قرأت أنت حكم الردّة من خلال بحوثك؟

·      بروفسور لويس صليبا(ل ص): أشكرك أولاً على التعبير، قلتَ حكم الردّة وليس حدّ الردّة، فمصطلح حدّ الردّة كما أثبتُّ في كتابي خطأ شائع، حتى ابن تيمية وكلّ المتحمّسين والفقهاء لقتل المرتد، ما من واحد منهم استخدم عبارة حد الردّة، بل قالوا عقوبة أو حكم الردّة. لأن الردّة ليست حدّاً، ليس في القرآن ولا في أيّ نص من السنّة النبوية ما يُشير إلى الردّة كحدّ. الحدود معروفة في القرآن، الزنا، السرقة، شرب الخمر ، هذه الحدود، وعندما يتناول الفقهاء الردّة يضعونها إلى جانب الحدود، ولكنّهم لا يسمّونها حدّاً.

 ومن هذا المنطلق، يمكن أن نقول لا إجماع على عقوبة قتل المرتدّ في الإسلام، وذلك لأنها ليست حداً، لأن الحد لا يمكن للإنسان ولا للحاكم حتى أن يخفّف من عقوبته، الحدّ لا وساطة فيه ولا شفاعة فيه. أما الردّة كما تطبق، مثلاً يمهل المرتد ثلاثة أيام ويستتاب، فلو كانت بالفعل حدّاً لما استتيب المرتد.

لقد تناولت هذا الموضوع مطوّلاً، وبحثت فيه ليس في هذا الكتاب وحسب وإنما في كتبٍ عديدة، وكان واضحاً، والجميع يتفق أن لا إشارة كما سبق وقلت إلى حكمٍ للردّة في القرآن الكريم، لا إشارة إلى حكمٍ للردّة في السيرة النبوية أو في السنّة الفعلية، فلم يصحّ عن الرسول أنه قتل مرتداً، هذا ما يتفق عليه كل المسلمين. 

·      يحيى أبو زكريا: رغم أن بعض المسلمين ارتدّوا وغادروا المدينة المنوّرة.

·      ل ص: تماماً. الإعرابي بصحيح البخاري  أتى إلى الرسول وقال له يا رسول الله أقلني بيعتي، أي أقلني من الإسلام، طرح عليه السؤال ثلاث مرات، وفي النهاية رفض الرسول أن يقله من بيعته، ولكن الإعرابي أصرّ وخرج من المدينة ، فقال الرسول حديثه المشهور: «المدينة تنفث خبثها»، بمعنى أن كلّ ما هو فاسد تلفظه إلى الخارج. إذاً هذا حديثٌ صحيح في البخاري، وهو ينقض حدّ الردّة، والسنّة عن الرسول ترفض تنفيذ عقوبة كهذه.

وقد ذكرتَ أنت حديثاً مهماًّ لديّ ملاحظة عليه، لأنني درست الموضوع في أكثر من 100 صفحة. قلتَ إنّ البخاريّ والإمام مسلم، والصحيح أن البخاري وحده أخرج ما نسمّيه حديث عِكرمة، عِكرمة الذي هو مولى الإمام عبد الله ابن عباس وكان خارجياً، هذا مهمّ جداً. لماذا مسلم لم يُخرج هذا الحديث الذي غالباً ما يذكر بالاختصار أن "من بدّل دينه فاقتلوه"؟ لأنه حديث منقول عن عِكرمة عن ابن عباس وحتى  أبن ابن عباس كان يعنّف عِكرمة ويقول له لا تكذب على أبي، وكذلك عبد الله بن عمر كان يقول لمولاه رافع لا تكذب عليّ كما كذب عِكرمة على ابن عباس. 

وهذا الحديث لم يذكره الإمام مسلم، لأنه يطعن في أحاديث عكرمة، هذا أولاً. ثانياً، لا يمكن ذكره معزولاً عن سياقه لأنه أتى في سياقٍ واسع، عندما يروي عكرمة أن علياً بن أبي طالب، رضي الله عنه، حرق قوماً من الزنادقة، فبلغ هذا الأمر إلى عبد الله ابن عباس، فقال لو كان الأمر بيدي لم أحرقهم وإنما كنتُ قتلتهم لقول رسول الله "من بدّل دينه فاقتلوه".

·      يحيى أبو زكريا: وحتى هذا الحديث يُطعَن فيه كثيراً من رواة كثر. خلاصة القول أن تاريخنا مسرطن، متناقض، ويجب الآن أن نعيد النظر فيه.

دعني أستكمل هذه النظرة مع الدكتور يوسف.

دكتور يوسف، من أين جاءنا فقه الردّة الذي تبني عليه الجماعات التكفيرية والإرهابية كلّ خطّها الذبحي؟ 

·      دكتور يوسف الصديق: تحية قبل كلّ شيء لك وللأستاذ البروفسور الذي أنار كثيراً من المواقع بكتبه وبدراساته، وعملت على ما كتب كثيراً في أعمالي في باريس، عندما كنتُ طالباً وثمّ عندما كنت أستاذاً أيضاً.

جواباً على سؤالك، أظنّ أننا لا بدّ لنا من أن ننقد تماماً كلّ التراث الذي بُني عليه هذا الطرح وهذا الإشكال والمناقشة التي بدأت منذ أن تأسّس التدوين، الآليات التي وُضِعت لفهم الدين الإسلامي، ومن أسباب النزول، وحتى إقامة المصحف، لا بدّ لنا من أن نتناولها بجدية. المصحف كان غير منقّط، ولذلك هو مصدر لكلّ التطرّفات ولكلّ النظرات التي عندما تحتاج السياسة إلى ذلك، السياسة بمعناها العامّ، تستغلّها وتحوّلها تماماً.

فكيف يمكن لكتاب مقدَّس منزَّل تؤمن به الناس على أنه كلام الله، كيف يمكن أن يقول من ناحية «وَلو شاءَ ربّك لآمن من في الْأَرْض كُلُهم جِميعاً»، بمعنى لا يشاء ربك، لا يشاء أن يؤمن الناس كلّهم بنفس الطريقة.

ثمّ كيف يمكن لهذا الكتاب المنزَّل أن يقول «لا إِكْراهَ فِي الدِينِ قَدْ تَبيَّن الرُّشد منَ الغيّ»، بهذه الصراحة وهذه الحضارية وهذه العصرية، ثمّ يأتي رسول هذا التنزيل والمبلَّغ عنه فيقول «أمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، وكيف يقول «من ارتدّ عن دينه فاقتلوه»؟

كلّ هذه الآيات يجب أن يُنظَر فيها حتى نصبح في يوم من الأيام نضحك على الذين يثيرون هذه المشاكل. فمشكل الردّة سياسيّ، في تونس، الفصل 6 من دستورنا الجديد، وهو فصل حرية الضمير، حلّ هذه المشكلة. ولكن في الممارسة، لا يمكن لأيّ أحد أن يقول أصبحت نصرانياً أو أصبحت مُلحداً، لا يمكن ذلك لأنه فعلاً من الناحية الشعبية ومن الناحية اليومية يُقتَل، أو يداس، حتى ولو لم يصدر فيه حكمٌ معيّن.

·      يحيى أبو زكريا: إذاً اتفقنا على أنّ الإشكالية قائمة في الأنتروبولوجيا الإسلامية، في الميثولوجيا الإسلامية، لكن من أين جاءت مغالطات الفهم؟ هل يعقل أن فقهاء كثيرين من مدرسة أهل البيت، و من المدارس إسلامية كافة، على المذاهب الثمانية هم على الإقرار بالردّة؟ هل هذه المدارس لم تفهم القرآن أم أن السياسة هي التي كرّست هذا الحكم في مسار تاريخنا الإسلامي والآن ورثه التكفيريون والذبّاحون والحارقون؟

·      ل ص: أظنّ أنك عزيزي الدكتور وضعت الإصبع على الجرح، السياسة. القرآن لا حكم ولا إشارة فيه إطلاقاً إلى عقوبة للردّة، ولا يختلف اثنان على هذا الموضوع. السيرة النبوية أو السنّة الفعلية لا إشارة فيها كذلك، كلّ ما روي عن الرسول أنه قتل مرتداً، يقول الشوكاني هو خبر ضعيف، هذا الشوكاني الذي كان أساساً مع حد الردّة.

عندنا أيضاً آثار مهمة عن عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، الذي كان يرفض قتل المرتدّ، وكان يلوم من يعاقب مرتداً أو يقتل مرتداً. إذاً ما يقال عن إجماع بين الفقهاء ليس صحيحاً. فعمر بن الخطاب، هذا مثل، وعمر الثاني، عمر بن عبد العزيز، لدينا آثار عنه تقول إنه كان لا يعاقب مرتداً. عندنا أيضاً سفيان الثوري وابراهيم النخعي وكثيرون غيرهم كانوا يرفضون معاقبة المرتد وقتله.

إذاً من أين أتت؟ أتت بتراكم ممارسات خدمةً لسياسات لأنّ حد الردّة كان دائماً في تاريخ الإسلام أداة بيد الحاكم لمعاقبة معارضيه. لنأخذ مثلاً كيف عوقب الحلاّج. 

عوقب بالردّة،كان صوفياً،  ودعا إلى الطواف، من لا يستطيع زيارة الكعبة يمكن أن يطوف في كعبة له. إذاً قالوا إنه قضى على ركن من أركان الإسلام فهو مرتد وعوقب بالردّة.

·      يحيى أبو زكريا: كذلك السهروردي وابن المقفّع، الكثيرون ذبحوا.

·      ل ص: الكلّ، أنا أعطيت مثلاً من مئات الأمثال. إذاً الحلاّج قتل بأمر سياسي، قُتل بحكم سياسي، ولكن الذريعة كانت عقوبة الردّة أو حد الردّة، وهذا شأن الكثيرين أو غالبية أو أكثر الناس، كما تقتل داعش الآن، هل لأنّ هذا مرتد؟ هذه ذريعة تأخذها للقتل.

·      يحيى أبو زكريا: بالمناسبة في راهننا ما يشبه ماضينا، اليوم عندما السلطات العربية عندما تريد أن تعدم أي شخص مناوئ لها تحال أوراقه إلى المفتي، أي المفتي يعطي شرعية قتل هذا الكاتب أو المفكّر وما إلى ذلك. يبدو أن حكم الردّة ما زال موجوداً في أيامنا هذه.

·      ل ص: حكم الردّة هو الأساس. نحن نتحدّث عن الإرهاب الإسلامي وعن عمليات القتل. درستُ في هذا الكتاب الذي أشرت أنت إليه، فقه الدولة الإسلامية، وفقيه الدولة الإسلامية معروف، هو أبو عبد الله المهاجر، وكتابه أيضاً معروف في نحو 500 صفحة، اسمه "مسائل من فقه الجهاد" ويُسمّى عادة فقه الدماء، درست هذا الكتاب وأستطيع أن ألخّص وأقول فقهه يستند إلى مصطلحين: الكافر الأصلي، والمرتدّ.

لماذا تقدّمت داعش على القاعدة؟ لأنها غيّرت في الأولويات فقط لا غير، الأيديولوجيا نفسها، الفقه نفسه، ولكن داعش قالت إن الأولوية هي لمحاربة المرتد، أي المذاهب الإسلامية من الشيعة وسائر المسلمين الذين تعتبرهم مرتدّين، والأولوية لمحاربتهم وليس لمحاربة الكفّار الأصليين أي الأمريكيين وغيرهم. 

·      يحيى أبو زكريا: هذا واضح. دكتور، قبل الذهاب إلى تونس، أنا طبعاً قدّمت تعريفاً اصطلاحياً للردّة في المقدّمة. من خلال بحوثك، كيف نفرّق بين حد الردّة وحكم الردّة؟ كيف تعطي تعريفاً ابستمولوجياً معرفياً للردّة؟

·      ل ص: أنا اعتمد التعريف الذي أتانا به الإمام الشافعي في كتاب الأم إذ يقول:  «المرتدّ عن الإسلام من انتقل من الشرك إلى إيمان ثم انتقل من الإيمان إلى الشرك من بالغي الرجال والنساء».

إذاً المرتد عليه أن لا يكون مسلماً في الأساس، هو أسلم، لم يكن مسلماً، كان مشركاً، أسلم ثم ارتدّ عن الإسلام.  ولكن لنقارن هنا بتعاريف أخرى، لنصل مثلاً إلى تعريف ابن تيمية الجدّ، صار كل واحد يرفض ركناً من الأركان أو يشكّك بركن صار مرتداً. ماذا يقول ابن تيمية الجد؟ إنه يقول: «المرتد هو الكافر بعد إسلامه فمن أشرك بالله أو رسوله فقد كفر ومن جحد وجوب عبادة من الخمس أو تحريم الزنا والخمر أو أحلّ لحم الخنزير ونحو ذلك من الأحكام الظاهرة عليها لجهل عرف ذلك فقد كفر، ومن ترك الحجّ تهاوناً في فرضه أو الصلاة تهاوناً أو الصوم بأن عزم أن لا يفعله أبداً استتيب كالمرتد فإن أصر قُتِل حداً.»

·      إذاً لاحظ هذا التبدّل الجذري في تعريف المرتدّ. كنّا من كان غير مسلم ودخل الإسلام ثم خرج منه مرتداً مع الشافعي، لنصل إلى ابن تيمية الجد فسُمّي كل من جحد معلوماً من الدين بالضرورة أصبح مرتداً، لنصل اليوم إلى بعض الفقهاء الذين يقولون إنّ من قال عن رمضان جاء الشهر الثقيل فقد ارتدّ. أنظر كيف عُمّم فقه الردّة ليشمل كل الناس، والآن في هذه الحركات الأصولية، مَن ليس معنا فهو مرتدّ

·      يحيى أبو زكريا: إلى تونس الحبيبة. دكتور يوسف الصديق، في كتابك «نحن والآخر في الإسلام»، وهو كتاب ممتع، قلت كلمة جميلة حرّكت فيّ لواعج العقلية، قلت للأسف الشديد المسلمون لم يقرأوا القرآن قراءةً عقلية فلسفية، قرأناه فقهياً، قرأناه نحوياً، قرأناه بما هو هو في المحيط القرشي، في المحيط العربي الضيّق. لكن إذا أردنا أن نفهم القرآن يجب أن نتعلّم الفلسفة العقلانية ونُسقِط هذا العقل المنفتح على الآخر لمعرفة القرآن الكريم.

هل أفهم من قولك، وإذا أردنا أن نربط هذا بالردّة، أن الردّة هي حكم المسلمين وليست حكم الإسلام؟ 

·      د. يوسف الصديق: هي حكم المسلمين فعلاً وليست حكم الإسلام. مثلاً في هذه النقطة بالذات، قبل أن نفهم مفهوم الردّة وحكمها أو حدّها، يجب أن نفهم ما الذي يجعل المرتدّ قابلاً لهذه العقوبة ولهذا الحكم. هو الكفر. عندما قرأت الآية الشهيرة «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون». على أنّ الكفر يعني أشياء تأتي من التاريخ، ليست مسألة إرادة، الكفر يعني أن تجحد البذرة، ويمكن لهذه البذرة إن جحدتها أن تخصب وأن تكون بالعكس مورداً لسنابل وإلى آخره. فمفهوم الكفر نفسه هو مفهوم غير قابل في الثقافة الإسلامية الحديثة، غير قابل للفهم وللقراءة. وعندك قرى عديدة في المشرق تُسمّى كفر،أي المدينة التي تبذر فيها البذرة فتجحد ثم تظهر، ولذلك فهناك علاقة طبيعية ضرورية بأن الله متم نوره في يوم من الأيام، ولذلك ليست القضية قضية إنسان معيّن أو حزب معيّن أو إسلامي معيّن أو فقيه معيّن يجعل الناس يستنيرون بنور الإيمان، ولذلك هي قضية فردية تماماً.

القرآن كلّه يعتمد على الإرادة الفرديّة للإيمان أو لعدم الإيمان. لذلك، هناك آية لم تُقرأ برأيي، وهي التي تفنّد تماماً قضية الإرادة، لم تقرأ، «قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا». أي الإسلام السياسي هو أن تكون في سلّم المقبول من طرف السلطة، ولكن هذا الإسلام إسلام الأعراب الذي نعيش عليه اليوم، هو مناقض تماماً للإيمان، لأن الإيمان فردي تماماً، وهو الحركة العَمودية بين فردٍ معيّن وبين ألوهيّةٍ معيّنة تصوّرها هو واستقرّت في قلبه، ولذلك فإذا أسلم الإنسان فقد أصبح خاضعاً للإسلام السياسي وخاضعاً لآليّاته القمعية.

·      يحيى أبو زكريا:  دكتور لويس صليبا، يقول الكاتب جيبون وتعرفه جيّداً «إنّ الصليبيين خدّام الرب يوم استولوا على بيت المقدس في 15 يوليو تموز في العام 1099 رأوا أن يكرّموا الرب بذبح 000 70 مسلم ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحةٍ استمرت ثلاثة أيام بلياليها، حطّموا رؤوس الصبيان على الجدران وألقوا بالأطفال الرضّع من سطوح المنازل وشووا الرجال والنساء بالنار وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب».

طبعاّ يقول الكاتب جيبون، «كيف ساغ لهؤلاء بعد كلّ هذا أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والمغفرة»، مثلما تفعل داعش تقتل وتقول اللّهم تقبّل منا هذا القربان.

أريد أن أعرف، هل عرفت المسيحية تكفيراً أو حد الردّة كما عرفه المسلمون؟

·      بروفسور لويس صليبا: أولاً، هذه الرواية التي ذكرتها لستُ مطّلعاً عليها. ولا أعرف أحداً ذكرها من القدماء. لا شك أن في تاريخ المسيحية.

·      يحيى أبو زكريا: عفواً، أنا دقيق، غوستاف لوبون في حضارة العرب صفحة 279. 

·      بروفسور لويس صليبا: لوبون كاتب معاصر، وليس مرجعاً في هذه الأمور. إنها رواية ضعيفة، بل موضوعة. ولا يُؤخذ بتاتاً بها. ولكن ما أريد أن أقوله، في تاريخ المسيحية وفي تاريخ الإسلام عنف، ما الفرق؟ الفرق أنّ المسيحية حالياً وعت هذا العنف في تاريخها، البابا يوحنا الـثالث والعشرين بنفسه قال: «لا نقولنّ أنا على حق وأنت مُخطئ ولكن تعالوا لنتصالح». 

 إذاً وعى البابا هذا التاريخ وما فيه من عنف، والبابا يوحنا بولس الثاني قال شيئاً مهمّاً جداً: «إنّ انتشار الإلحاد في العالم أحد أهم أسبابه العنف في الأديان».

وذلك لأنّ الملحد يقول إذا كانت هذه الأديان التي تدعو إلى الله فيها كلّ هذا العنف والقتل، إذاً خيرٌ لي أن أكون ملحداً.

والخلاصة وعت المسيحية هذا العنف في تاريخها، استغفرت عنه، وهي انتقلت إلى الضفّة الثانية وأرادت أن تكون رسول سلام.

 

·      يحيى أبو زكريا: قبل أن أعود إلى موضوع الردّة، لأنني أريد أن أبقى في سياقه، بإيجازٍ، هل كان ذلك نتيجة اقتران المسيحية بالتنوير، أي الكنيسة تزاوجت مع الحركة التنويرية التي اندلعت في أوروبا؟

·      ل ص: استفادت الكنيسة ووعت أن تعليق أو ربط الكنيسة والدين بالدولة أضرّ بها، وهذا ليس في روح الإنجيل لأن المسيح قال: {أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله}. إذاً انطلاقاً من هذه التجربة المريرة التي عاشتها في عصر التنوير عرفت كيف تنسحب لتعود إلى أسسها الانجيلية ولتعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله. 

·      يحيى أبو زكريا: وهنا أتوقّف مع كتابك الرائع جداً «زرادشت وأثره في الأديان الخمسة الكبرى». تريد أن تقول إن زرادشت، هو ينبوع الكثير من الأفكار في المسيحية والإسلامية واليهودية، وهل بالفعل حدّ الردّة تحديداً مصدره زرادشت؟ 

·      ل ص: نحن نتكلّم عن حد الردّة وهو سؤال مهم. بالحقيقة كتاب «حدّ الردّة ركن التكفير»، ألّفته بالتزامن مع الكتاب الثاني، كنت أطرح السؤال، إذا كان لا أساس لحدّ الردّة في القرآن ولا أساس له في السيرة النبوية وفي السنّة الفعلية، من أين أتت ممارسات قتل المُرتد؟ لا نجد لها أساساً واضحاً في المسيحية أيضاً. أشرتَ إلى آيات في التوراة، وزعمتَ أنها من الإنجيل. وهي تتعلّق بظرف خاصّ. ولكننا لا نجد في الممارسة وفي التاريخ اليهودي أية أمثلة على قتل المرتدّ.

هنا من خلال قراءتي للنصوص الزرادشتية في الفنديداد وغيره، وجدتُ أن الزرادشتية هي الديانة الوحيدة التي تركّز على الكافر ووجوب قتل الكافر، وذلك في أحكام ونصوص واضحة في الفنديداد وفي الأفستا، درستُها فوجدت أن أحكام المرتد في الفنديداد الزرادشتي هي نفسها أحكام المرتد في الإسلام، بمعنى المرتد في الزرادشتية يُطلّق من زوجته. 

·      يحيى أبو زكريا: كذلك في الإسلام، ناصر حامد أبو زيد فصلوه عن زوجته. 

·      ل ص: صحيح. ولا يرثه أهله، ويعودُ ميراثه إلى الحاكم، يُستتاب مرتين وثلاثة وإذا لم يتب يُقتَل. الأحكام هي نفسها. عندما تجد هذا التشابه لا يمكن إلا أن تفكّر بطريقة منطقية أنّ ثمة انتقالاً لهذه الأحكام من مكان إلى آخر. 

·      يحيى أبو زكريا: دعني أنتقل إلى الدكتور يوسف، هل تقرّ ما ذهب إليه الدكتور لويس صليبا من أنّ زرادشت تسلّل إلى ديارنا، تغلغل إلى أفكارنا، ومن ثمّ عندما كان المسلمون عاجزين فكرياً وجاءتهم الأفكار الهندية الفارسية اليونانية، انبطحوا أمامها كما ننبطح اليوم أمام الأمركة الزاحفة؟ 

·      د. يوسف الصديق: لقد و ضعتما الأصبع على الجرح الكبير، والجرح الكبير الذي امتدّ عندي أنا 14 قرناً. ما الذي جرى في 14 قرناً؟ لاحظوا أننا في الدولة الأموية كلّها، لم يكن لنا نصٌ مدوّنٌ واحد، الدولة الأموية كلها، منذ أن توفي الرسول إلى حد الدولة العباسية لم نجد كتاباً مدوَّناً واحداً. حتى خبر عبد الله ابن سبأ الذي قيل أنه كتب كتاب التيجان مغلوط. لكن بعد الدولة العباسية وبعدما انتصر الخرساني وأبو العباس السفاح أصبح التدوين ممكناً، ولنا كتب ومخطوطات من التدوين.

إذاً كان لا بدّ من أن يُخلق شيء جديد، ثقافة جديدة معاصرة ومتزامنة مع عصر التدوين. إذاً حكم الامبراطورية الإسلامية، كانت أمبراطورية من عصر عثمان أصبحت أمبراطورية ولها أساطيل، حكمها هؤلاء الذين نسمّيهم الأعراب، الأعراب الذين جعلوا من هذه الأمبراطورية مرتعاً صحراوياً فكرياً بالمعنى الفعلي، مرتعاً صحراوياً لهم، حتى إننا في كل الدولة الأموية لم نجد إلا حاكماً إدارياً واحداً، عبد الملك بن مروان، كلّهم كانوا كما تقول فيروز "أمويون فإن ضقتِ بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام"، هذه عقلية إعرابية، ليست عقلية حضارية عربية، "ألحقوا الدنيا ببستان هشام"، حتى لو أنها مجازاً أو أنها شاعرية، لكن بعد أن جاء عصر التدوين استقينا كل شيء من الفارسية، لا فقط المسألة الدينية، حتى الصلاة ويدعمني في هذا الدكتور لويس صليبا. الصلوات الخمس جاؤونا بالحديث أنّ الرسول انطلق إلى السماء وكُتِبت عليه 50 صلاة، ثم نزل فقال له موسى أن أمّتك لا تستطيع إلى آخره حتى وصل إلى خمس، وقال أنا انكسفت لا أستطيع أن أرجع إلى الله، هذا غير ممكن لأن الخمس صلوات موجودة في الزرادشتية، خمس بتوقيتها تماماً، والنبي والقرآن لم يحدّدوا عدداً معيّناً للصلاة، ممكن أن تكون 3 وربما 7 وربما 11. إذاً كلّ شيء مستقى من ثقافات أخرى.

·      يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف، الفقهاء يقولون إنّ الآيات تفسّرها الروايات، صحيح أنّ القرآن الكريم لم يذكر الصلوات الخمس وهي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، لكن فِعل الرسول هو الذي أوضح هذه الآية، لأنّ الكثير من الآيات كانت مطلقة وجاءت سُنّة الرسول التقريرية والفعلية أو القولية ففسّرت الصلاة. فكان أداء الرسول وهو مشرّع أيضاً.

·      دكتور يوسف الصديق: من الذي جاءنا بأداء الرسول؟ القرآن الكريم يوضح الوضوء بكلّ جزئياته، حتى عندما تذهب إلى المرحاض، «إن جاءَ أَحدٌ منكم من الغائط»، إلى آخره، كلّ شيء. كل مسائل الطهارة يفصّلها تفصيلاً، وكلّ مسائل الحجّ يفصّلها تفصيلاً. ثم ملاحظة أخرى ومفارقة كبيرة وهي أنّ الصلاة دائماً معرَّفة، يعني أن الصلاة أشياء كانت موجودة من قبل وكانت عهدة موجودة من قبل، من وقت إبراهيم ومن وقت مريم، كل مرة كلمة الصلاة ليس لها وصف أبداً، إلا أن الصلاة المعروفة في عصر النبي.

عندما جاءت الأحاديث احتاروا واستقوا يقيناً من الزرادشتية، استقوا منها العدد الذي هو عدد يقبله المسلمون، خمسة لأن الله قال الصلاة الوسطى إلى آخره، هذا ليس إشكالاً، إذًا المسألة هي في تدقيق هذه الأمور والتدقيق، ثمّ من اليونانية ما الذي أخذوه؟ أخذوا فقط إخراجها من المنظومة التفسيريّة. اليونانيون أتوا للإسلام بأشياء عجيبة جداً، عندما يقول أفلاطون عرش الضرورة يعني الله يحمله ثمانية، القرآن يقول «ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية»،إنه الأمر نفسه.

كانت تدخل بيتنا كل سنة في المولد النبوي الشريف، هذه الأغنية وتغنيها أم كلثوم وتقول بصريح العبارة بنيت على التوحيد وهو حقيقة نادى بها سقراط والقدماء. وكنا نقبلها، لكن الآن لا بدّ من أن نتثبّت منها. أين الأشياء الجدية التي أسست لنظرة الإسلام بعد أن جاء التنزيل؟ لا، كل شيء استقاه الفراهيدي، الزجاج، النحويون، الدارسون للثقافة العربية وللشعر الجاهلي إلى آخره.

ثمّة كتاب في التفسير لا يعتمده المفسّرون أبداً، وهو عندي أنا من أرسى التفسير وهو كتاب أبو عبيدة "مجاز القرآن" الذي يقول أشياء تقترب مما أقوله، ولكن جاءت التفاسير الرسمية بخلافه. 

·      يحيى أبو زكريا:  دكتور لويس، كأني بك تريد أن تعلّق على ما قاله الدكتور يوسف؟

·      ل ص: أولاً أودّ أن أشكره لأنه يبدو مطّلعاً على كتابي "زرادشت وأثره في الأديان الخمسة الكبرى"، رغم أنني أخرجته قبل أقل من شهر.

·      في لبنان لم يسمح الوقت بالإطلاع عليه وهو وصله في تونس واطّلع عليه، وهذا أمرٌ يفرحني.

·      وأودّ أن أدقّق في ما قاله في الصلوات الخمس، أجل العدد خمسة هو العدد المقدّس، ليس عدداً مقدّساً، بل هو العدد المقدّس في الزرادشتية، عند الموارنة أيضاً العدد خمسة مقدّس، يصلّبون بالخمسة، أي يرسمون إشارة الصليب على وجوههم وصدورهم بالأصابع الخمسة، حتى عندنا بتعبيرنا اللبناني يقولون يصلّب بالخمسة يعني أنه ماروني. أي يستخدم أصابعه الخمس وهي ترمز أيضاً إلى الحواس الخمس. خمسة عدد مقدّس عند الموارنة. أهل الكساء خمسة، ذكرت هذا الموضوع في كتابي، وحاولت أن أقول لماذا هم خمسة؟ ونعود إلى الزرادشتية، هذا العدد قلتُ إنه العدد المقدّس في الزرادشتية، ولكن بشأن الصلوات لا أستطيع أن أجزم أكاديمياً، بيد أنّني أستطيع أن أقول كما قال هو، وهذا ما ذكرته في كتابي، إنّ الصلوات في الزرادشتية هي خمس وهي في المواقيت الخمسة الموجودة في الإسلام تماماً ولا فرق، ولم أحكم إذا كان الإسلام قد أخذها عن الزرادشتية أم لا، لأنني أحتاج إلى مزيد من الأبحاث في هذا الموضوع، ولكن الملاحظة بالتأكيد فاقعة، فكما أن أحكام المرتدّ هي نفسها في الزرادشتية وفي الإسلام، هكذا هي الصلوات في عددها ومواقيتها، ما يدعو إلى التساؤل ويطرح إشكالية بحث.

·      يحيى أبو زكريا: دكتور لويس، هنا قد يقال أكاديمياً أيضاً، هنالك قواسم مشتركة بين الأديان والفلسفات البشرية، عندما تقرأ لكونفوشيوس ولطاو ولزرادشت، للفلاسفة القدامى. سقراط ذكر الدكتور يوسف كانوا يتبرّكون به وهم يعتبرونه، البعض يعتبره نبياً وموحِّداً، في كتابه "الميثولوجيا". فإذاً ما المانع أن يكون هناك قواسم مشتركة بين الأديان وبين الفلسفات الإنسانية؟ 

·      ل ص: ليس هناك من مانع، هي أهمّ من قواسم. لقد قلت إننا في عصر التواصل الآن، ووسائل الاتصال الفائقة السرعة، ومع ذلك فالقدماء مع طريق الحرير، طريق الحرير كانت عولمة أكثر من العولمة الحالية، وهنا تتفاجأ أنّ مثلاً عقيدة المولود من العذراء تراها تنعكس في الترجمة السبعينية بعد أقل من نصف قرن، كان هناك سرعة تواصل وسرعة انتقال للعقائد غريبة نحن نتفاجأ بها.

إذاً هذا تفاعل وليس مجرّد توارد أفكار، علم الأديان لا يؤمن بتوارد الأفكار، يقول إنه عندما يكون هناك تشابه واضح لهذه الدرجة، فهذا يعني أن ثمة تفاعل في مكان ما. 

·      يحيى أبو زكريا: دكتور لويس، كيف بنى التكفيريون منهجهم التأصيلي التأسيسي على حدّ الردّة، وانطلقوا من خلاله يذبحون ويُحرِقون ويبقرون البطون ويرمون الناس من الشرفات؟

·      ل ص: هذا ما سبق وأشرتُ إليه في حديثي، الفارق الأساسي بين الفقه والموقف الأيديولوجي لداعش والقاعدة هو هذا الموضوع بالذات، أولوية الجهاد. القاعدة تقول أولوية الجهاد في القتال والجهاد ضدّ الكفار الأصليين، داعش قالت إنّ أولوية الجهاد هي في محاربة المرتدّين، لماذا؟ لأن ابن تيمية قالها، قال عن الشيعة مثلاً، إنهم أشدّ خطراً على المسلمين من الكفّار أنفسهم.

·      يحيى أبو زكريا: وهكذا قال في النصيرية وفي الدروز والإسماعيلية. 

·      ل ص: إنهم أشدّ خطراً، إذًا أنا أقول،إنّه من العبث أن نعمل ضد الإرهاب إذا لم نفكّك آليات حدّ الردّة، لأنه أساسي، إنه الأساس الذي بني عليه كل فقه داعش وأخواتها.

·      يحيى أبو زكريا:  دكتور يوسف، أريد أن أسألك في أمرين. اليوم في القرن الواحد والعشرين، نحن في سنة 2017 يبدو إنّنا جعلنا من الأيديولوجية إسلاماً، الأدلجة وهي فهم المسلمين للنص تحوّلت إلى الإسلام، فيما اختفى الإسلام الصحيح وصار غريباً.

معظم الكليات الإسلامية بما في ذلك الأزهر، بما في ذلك جامع القرويين، بما في ذلك جامع الزيتونة، بما في ذلك النجف، بما في ذلك قمّ، في الكتب الفقهيّة وفي الرسائل العملية يُدرّس باب الردّة. كيف من جهة باب الردّة موجود في المنهج الأكاديمي العلمي الحوزوي الثقافي بشكل عام، ونحارب التكفير من جهةٍ أخرى؟ هذا تناقضٌ صريحٌ؟

·      دكتور يوسف الصديق: نعم. أنا أعتقد وأقولها من باب التلخيص أو من باب السرعة أو التسريع بالحكم، إنما أقولها من خلال تجربة ومحنة، محنة بالمعنى حتى الصوفي للكلمة. نحن بقينا في أيديولوجية التلاوة ونسينا السبب الذي جاء على أساسه تنزيل القرآن، وهو القراءة، والقراءة تعريفاً هي أن تشارك الباب، باب التنزيل، الله، أن تشاركه في صنع النص وإخصابه. أنا أعتقد ان التلاوة منعتنا من شيء مُعيّن، إنه عبر الزمن أن ننتقل من المؤمن إلى الإنسان، وربما في أفق أبعد أن ننتقل من الإنسان إلى خليفة الله في أرضه، وهذه المصطلحات مصطلحات قرآنية «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً». هذا أفق بعيد جداً، لكن الأفق القريب الذي نلمسه في القرآن وهو أنّ الإنسان أعلى بكثير من المؤمن ومن المسلم بحكم الآية العظيمة في سورة الأحزاب « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً». هذه الأمانة تجعلني سواسية مع أي ّإنسانٍ آخر وتجعلني في ذلك الطريق الذي هو الطريق الحنيف، هذا تعريف الطريق الحنيف الذي يؤدّي بي إلى أن أخلف الله في أرضه.

هذه القراءة مُنعت حضارياً منذ 14 قرناً، مُنِعت على الدارس وعلى التلميذ وعلى الطالب وعلى المفكّر، حتى غمّتها أيديولوجية التلاوة التي تنبني على آليّاتٍ كما قال الدكتور لويس يجب أن تُفكَّك وهي آلية الناسخ والمنسوخ، وآلية أسباب النزول، آلية العلاقة الوثيقة والتي لا أفهمها بين الحديث وبين القرآن وتساويهما، وربما في بعض الأحيان علوّ السنّة، علو السنّة على القرآن.

·       يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف الصديق شكراً جزيلاً لك أمتعتنا، كنت معنا من العاصمة التونسية تونس حفظ الله تونس وأمّنها.

الدكتور لويس صليبا البروفيسور والباحث شكراً جزيلاً لك، وصاحب المصنّفات الكثيرة، أتعبتنا في القراءة يا سيّدي العزيز.