بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
323
834493

صفحتنا على الفيسبوك

ص الكلمة التي ألقاها العلامة السيد وليد البعاج في كاتدرائية وكنيسة مار بطرس الرعائية في جبيل

Share

بسم الله الرحمن الرحيم

يزيدني شرفاً أن أقف بين ايديكم ايها الاخوة الاعزاء في هذا المكان المقدس والطاهر الذي هو بيت من بيوت الله التي يذكر فيها اسمه ويقدس سبحانه

 

سادتي الاكارم يقول الله العظيم في محكم كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم)) الحجرات 13.

 

إن هذا النص القرآني هو نص واضح الدلالة في إقرار التعدد والدعوة الى التعارف والتعاون وتعميق المعرفة،.

 

فالإنسانية متحدة من حيث المصدر، فهي تنحدر من مصدر واحد في الخلقة وهو الله تعالى، ومن سبب موضوعي واحد في التناسل والتكاثر وهو الذكر والانثى، وهذا الاتحاد بالمصدر والتوحد بالسبب يؤكدان وحدة النشوء، ويفترض أن هذا الاتحاد يلغي أي تراتب مزيف تضعه الانسانية فيما بينها على أساس اللون أو العرق أو الامتياز.

 

فلو تأملنا هذا النص القرآني، أن الله في القران لم يوجه خطابه للمسلمين فقط أو للمؤمنين والموحدين فقط، بل وجه خطابه الى الناس كافة من دون استثناء.

 

(إنا خلقناكم) وهنا الله يؤكد أن الخالق واحد للناس وهو ما يؤكد وحدة الانسانية من حيث النوع والهوية والجوهر.

 

(وجعلناكم) وهذا الجعل يسمى بالجعل التكويني أي ان الله جعل تكوينا التنوع الانساني بقدرته فكونكم (شعوبا وقبائل) فهذا التنوع الانساني القائم على أساس الشعوب والقبائل والاجناس هو حقيقة خلقية، أي أن التنوع إرادة إلهية وليس صدفة أو طفرة وراثية، فلا تملك أي جهة حق إلغاء هذا التنوع في الخلق، وبالتالي عدم الاعتراف بخصوصية أي جماعة تختلف في العرق أواللون أو اللغة أو الدين. وإرادة الله تقول:((ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم وألوانكم)) الروم 22.

 

(لتعارفوا) فالتعارف فعلا إيجابي وليس سلبي فهو يأتي لحل إشكالية الخلاف، وإنهاء الصراع والنزاع ، فالتعارف مبدأ تلتقي عنده الذوات الفردية والجماعية، لتوجيه هذا الخلاف إيجابياً، وجعل التنوع الانساني نعمة لا نقمة، من خلال اعترافه بالآخر، واحترامه لخصوصياته لتحقيق التعايش المتبادل بين الجماعات الانسانية على اختلافها وتنوعها. ولولا التنوع لانتفى التعارف فلا قيمة له.

 

واختتمت الاية قولها أنه لا كرامة لمسلم على مسيحي وبالعكس ، كذلك لا لابيض على أسود بل يا أيها الناس إن أكرمكم على الله هو التقي، ( أكرمكم عند الله أتقاكم))، فالكرامة التي تتحقق بالتقوى ، فالتقوى عنوان جامع لكل القيم العليا والمبادئ والفضائل واستحضارها في ساحة العمل، فليست التقوى عنواناً معلقاً في الهواء، وإنما هي سلوك إنساني تفصيلي يومي يمّد الإنسان بمفردات الخير على الارض لينال السعادة الابدية، ولن تنال السعادة الابدية بإلغاء الآخر ومصادرة حقه في الحياة، بل تنالها بإقرار مبادئ العدل والمساواة والفضيلة الانسانية.

 

وفي آية أخرى يؤكد القرآن الكريم أن المشيئة الالهية هي التي تريد هذا التنوع والتعدد فقال الله في سورة هود اية 118 – 119 : ((ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)) ، فالتنوع إذن سنة إلهية وأمرٌ فطري ، وضرورة طبيعية شاء الله أن يجعله مشيئة له، وبالتالي فإن احترام التنوع هو احترام لمشيئة الله الله تعالى الذي لو شاء لجعل الناس أمة واحدة (وهو القادر على ذلك) ولمنع اختلافهم.

 

وعلى هذا فان القانون الطبيعي للحياة هو التنوع وليس الوحدوية التي تلغي التنوع. وفي سؤال وجه لاحد العلماء، لماذا سورة كاملة في القران الكريم لمريم عليها السلام، قال: أراد الله تعالى أن يربط الاسلام بالمسيحية من خلال الرمز المقدس عند المسيحيين وهو مريم عليها السلام، هذا الرمز المقدس تحول في القران الكريم الى سورة كاملة حتى يُثبت للمسيحيين أن القران ليس للمسلمين فقط ، وانما هو كتاب للجميع.

 

وقد لاحظتم أن القران يخلو من أسم لأم النبي محمد وتفرد القران بأن يذكر اسم ام المسيح عدة مرات. وقد ورد اسم النبي موسى عليه السلام وبني اسرائيل اكثر في القران من اسم النبي محمد ، ليثبت لبني اسرائيل ان الكتاب الكريم لا يختص بالعرب او المسلمين وانما هو لعموم الناس وبنو اسرائيل منهم. كذلك هو دعوة للمحبة والرحمة.

 

اخوتي الاعزاء، ان الانسانية تحتم علينا أن نلتقي ونتعارف، ونتآلف ، ويحترم بعضنا البعض ، ونحترم خصوصياتنا الدينية والايمانية جميعاً.

 

فاليوم جئنا لنشارككم في عزاء أسرة ال صليبا ، ونعزيكم بوفاة المرحوم طانيوس صليبا ، رحمه الله تعالى ، الذي عرفته لفترة قد تكون قصيرة ، ولكنها كشفت لي عن روحية انسان طيب ومسالم يواضب أسبوعياً على الحضور لمأوى العجزة يوزع لهم ما استطاع ان يشتريه من هدايا وطعام يدخل به السرور على قلوبهم فكنت أرى فيه حماساً رائعاً لخدمة اخيه الانسان المستضعف والعاجز والمسن.

 

واني بالختام لا انسى كذلك فضل ولده الدكتور لويس الذي شاركنا في العراق وايران ولبنان بحضوره في مناسباتنا ومؤتمراتنا وندواتنا وكان مبادرا بالقاء المحاضرات القيمة والبحوث الرصينة بأرفع المؤتمرات التي نقيمها في المساجد الرئيسية والمؤسسات الفكرية.

 

واليوم تكرم علينا الاخوة الاعزاء في هذه الكنيسة المباركة أن نكون نحن من يلقي بالكنيسة وهو شرف كبير احفظه لكل من ساهم في ذلك. وبالختام تقبلوا فائق تقديري واحترامي ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته