بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
326
834496

صفحتنا على الفيسبوك

حدّ الرِدّة وحقوق الإنسان

Share

د. لويس صليبا

حدّ الرِدّة وحقوق الإنسان

لا يختلف اثنان اليوم على أن الشرعة العالمية لحقوق الإنسان (أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) قد غدت بمثابة دستور عالي عامّ عابر للبلدان والثقافات والأديان. وباتت لهذه الشرعة سطوة وسلطة معنوية جعلت من الأكثرية الساحقة للدول تتبنّاها علناً وتزعم احترامها وتطبيقها.

 

أعلنت هذه الشرعة في 10/12/1948 في باريس. واليوم، وبعد مضي 68 عاماً على هذا الإعلان تبقى الإشكالية التي يطرحها الفقه الإسلامي إزاءها هي هي : هل يمكن أن تتعايش الشريعة الإسلامية مع حقوق الإنسان وشرعتها العالمية؟!

كرّست الشرعة في ديباجتها وفي عدد من موادّها لاسيما المادّتين 1 و16 حقوق المرأة وحرّياتها ومساواتها بالرجل أمام القانون. كما كرّست في المادّة 18 حقّ كلّ إنسان في حرّية المعتقد والدين، وكذلك حقّه في تغيير دينه، والمجاهرة بمعتقداته وممارسة ما يشاء من طقوس إلخ...

فهل يكفل الفقه الإسلامي والشريعة هذا الحقّ الطبيعي والأساسي للإنسان؟ في هذه النقطة تحديداً تكمن الإشكالية التي نودّ أن نبحثها في دراستنا هذه.

فأمام حقّ الإنسان الطبيعي والأساسي في اختيار المعتقد الذي يريد، وتغييره عندما يريد يقف ما اصطلح الفقه الإسلامي على تسميته حدّ الرِدّة عائقاً، بل وسدّاً منيعاً دون ذلك. وهذا الحقّ، أو هذه العقوبة تقضي بقتل كلّ مسلم يشاء أن يغيّر دينه ويعتنق ديناً آخر أياً يكن . وقد توسّع الفقهاء ، مع الزمن في تفسير هذا الحدّ وتعميم مفهومه، فأنزلوا عقوبته بمنكر الصلاة أو الزكاة أو الحجّ أو حتى الحجاب. وباختصار وطبقاً للتعبير الفقهي بِ: كلّ من أنكر أو جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة مرتدّ عقوبته القتل كما سنرى. فسقط ضحيّة حدّ الرِدّة ألوف الشهداء على مرّ الزمن. ولا يزال هذا الحدّ إلى اليوم سيف ديموقليس المسلّط على رقاب المفكّرين الأحرار في العالمين العربي والإسلامي.

الشرعة العالمية والمواثيق العربية والإسلامية

وحدّ الرِدّة جعل أكثر الدساتير العربية تكتفي بالتأكيد على الحقّ في حرّية الاعتقاد وتحجم عن ذكر الحقّ في تغيير الدين[1] . وهي كذلك حال المواثيق العربية والإسلامية لحقوق الإنسان، فهي كلها تغفل عمداً حق الإنسان بتغيير دينه وتكتفي بذكر حقّه في حرّية المعتقد. وسنذكر في ما يلي أبرز هذه المواثيق، ونقارنها بالشرعة العالمية من حيث حرية المعتقد.

نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادّة 18 منه الآنفة الذكر:

«لكلّ شخص الحقّ في حرّية التفكير، والضمير، والدين، وهذا الحقّ يشمل حرّية تغيير دينه أو معتقده، وحرّية الإعراب عن دينه أو معتقده، وحرّية الإعراب عن دينه أو معتقده في التعليم والممارسة وإقامة الشعائر، سواء كان ذلك سرّاً أم علانية، منفرداً أم مع الجماعة»[2]

      تذكر المادّة 18 صراحة حقّ الإنسان في تغيير دينه ومعتقده وتؤكّد عليه عنصراً أساسياً من حرّية التفكير والدين. وهذه الأخيرة لا تصحّ ولا تقوم إلاّ بممارسة هذا الحقّ.

وبالمقابل نجد كلّ المواثيق الإسلامية والعربية المختصّة بحقوق الإنسان تغفل عمداً، وعن سابق تصوّر وتصميم، حقّ الإنسان في تغيير دينه. وسنذكر في ما يلي أبرز هذه الإعلانات وكيف راوغت وتغاضت عمداً عن ذكر هذا الحق.

والدول العربية والإسلامية ليست في الحقيقة رائدة في مجالات حقوق الإنسان والإعلانات الإقليمية والدولية بشأنها. فالميثاق العربي لحقوق الإنسان مثلاً لم يصدر عن جامعة الدول العربية إلا في زمن متأخر  وفي 15/09/1994. أي بعد 46سنة من الإعلان العالمي، وبعد مضي نحو نصف قرن على تأسيسها في 22/03/1945. والفجوة الزمنية هذه هي لوحدها دليل يظهر أن الدول العربية لم تكن يوماً متحمّسة لحقوق الإنسان.

وأول المواثيق العربية والإسلامية هو البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام. وقد أصدره المجلس الإسلامي الأوروبي، وأعلنه أمينه العام سالم عزام في باريس في 19/09/1981.

والمادة 12 من هذا البيان عنوانها: حق حرّية التفكير والاعتقاد والتعبير. وهي فقرة طويلة من 5بنود تدخل في مختلف تفاصيل وأسس وعناصر حقّ حرّية المعتقد. ولكنها لا تأتي على أيّ ذكر لحقّ المرء في تغيير دينه. جاء في البند الأول من هذه المادّة:« لكلّ شخص أن يفكّر ويعتقد ويعبّر عن فكره ومعتقده، دون تدخّل أو مصادرة من أحد ما دام يلتزم الحدود العامّة التي أقرّتها الشريعة. ولا يجوز إذاعة الباطل، ولا نشر ما فيه ترويج للفاحشة أو تخذيل للأمّة.»[3]

ما يدهش في هذا البند ويصدم أنه ما أن يعلن عن الحق في حرّية المعتقد حتى ينسفه من أساسه بتحريمه إذاعة الباطل. فمن كان ملحداً مثلاً لا يحقّ له أن يعلن إلحاده؟! وأي معنى لحرّية التعبير في حالٍ كهذه؟! ورغم ذلك فالمادة 12 تردف لتؤكّد في بندها الثاني على أن:          « التفكير الحرّ ليس مجرّد حقّ فحسب بل هو واجب كذلك»

والمادة 13 من هذا البيان العالمي عنوانها: حق الحرية الدينية. وتنصّ على:«لكل شخص حرّية الاعتقاد وحرّية العبادة وفقاً لمعتقده:" لكم دينكم ولي دين"»[4]

والخلاصة فالبيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام رغم دخوله في دقائق الحق بحرّية المعتقد وتفاصيله وعناصره، فهو لا يذكر، لا من قريب ولا من بعيد، الحق بتغيير الدين والذي من دونه لا تصحّ الحرّية الدينية ولا تقوم.

يبقى أن هذا البيان لم يصدر عن هيئة عالمية إسلامية أو عربية رسمية. أما أول بيان إسلامي عالمي رسمي فهو إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام الصادر عن المؤتمر الإسلامي التاسع عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في القاهرة/مصر من 31/7 إلى 4/8/1990.  ماذا الآن عن حرّية المعتقد والدين وحق الإنسان الأساسي فيها؟

لا نغالي إذا قلنا إن هذا الحق يكاد يكون غائباً غياباً شبه تامّ في إعلان القاهرة! والمادّة الوحيدة واليتيمة التي تتحدّث عنه تكاد تكون فضيحة بحدّ ذاتها.فقد نصّت المادّة 10 على:

« الإسلام هو دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه على الإنسان أو استغلال فقره أو جهله لحمله على تغيير دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد.»[5]

  من المعلوم أن إعلان القاهرة يحاول محاكاة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو يهدف كما جاء في ديباجته إلى :« إصدار وثيقة حول حقوق الإنسان في الإسلام ،لكي تسترشد بها الدول الأعضاء في مختلف مجالات الحياة» وإلى:« المساهمة في الجهود البشرية المتعلّقة بحقوق الإنسان التي تهدف إلى حمايته من الاستغلال والاضطهاد، وتهدف إلى تأكيد حرّيته وحقوقه في الحياة الكريمة.»[6]

ولسنا نشكّك في النوايا الطيّبة لمطلقي هذا الإعلان أي الدول الإسلامية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وأنّى لنا أن نحكم على النوايا أو نحاكم عليها.ولكن شتّان بين الإعلان العالمي وهذا الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان أو إعلان القاهرة. فالأول يصرّ في المادة 18 الآنفة الذكر على حقّ الإنسان في حرّية الدين والتفكير وحرّية تغيير الدين. أما الثاني فهو لا يكتفي بتجاهل حرّية تغيير الدين، بل يشنّ حملة مضادّة عليها تحت ستار التصدّي لما أسماه إكراه الإنسان على تغيير دينه. إنه ببساطة يطرح إشاكلية ليست في محلّها، ولا هي في مكانها وزمانها.وهو يجادل لمنع أي تغيير في الدين حرصاً على عدم المسّ بحدّ الردة. فأين هو التغيير القسري للدين؟ وأين يرغم المسلمون على تغيير دينهم؟ يبدو أن هذه المادّة تعرّض ببعض الممارسات في الدول الشيوعية، وقد صارت اليوم جزءاً من التاريخ. أما حدّ الردة فلا يزال جاثماً على العباد ويطيح برقابهم. وإعلان القاهرة لم يفعل شيئاً للتخفيف من وطأته، بل على العكس من ذلك تماماً فهو يكرّسه ويشرعنه من خلال المادّة 10 منه.

فالمادّة المذكورة هي في الحقيقة تبرير لهذا الحدّ وتكريس له.يقول الفقيه المعاصر د. محمّدالزحيلي مادحاً ومصفّقاً لها:« لذلك انفرد الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان في هذه النقطة المجمع عليها بين العلماء، وأنه يتعيّن على المسلم بعد أن اهتدى إلى الإسلام بالإيمان الصحيح المقنع بوجود الله تعالى والاعتراف بوحدانيته، وتصديق نبيّه، يتعيّن عليه الثبات عليه، ونصّت المادة العاشرة من الإعلان الإسلامي على أنه:" لمّا كان على الإنسان أن يتّبع دين الفطرة، فإنه لا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه، كما لا يجوز استغلال فقره أو ضعفه أو جهله لتغيير دينه إلى دين آخر ، أو إلى الإلحاد."»[7]

ولن نناقش هذا الفقيه في كلّ طروحاته في نصّه المذكور، وإنما نكتفي ببعض الملاحظات. فهو أولاّ يحرّف نصّ المادة10 بما يتّفق مع توجّهاته، فهي لا تنصّ أن على الإنسان أن يتّبع دين الفطرة. ولو نصّت على ذلك لكانت ضربت كلّ حقوق الإنسان وحرّياته عرض الحائط. فما معنى أن على الإنسان أن يتّبع دين الفطرة؟! هذا يعني ببساطة أن عليه أن يكون مسلماً فبالمفهوم الإسلامي وحده الإسلام دين الفطرة. وأين حرية العقيدة في ذلك؟ إنه ببساطة نحر لها. وماذا يعني الإيمان الصحيح؟ ومن هو ذاك القادر على الحكم على  الإيمان تصحيحاً أم تضعيفاً أم تخطئة؟! والإيمان اقتناع بأمور فوق الحسّ يستحيل التثبّت منها بصورة ملموسة قاطعة. ولمَ يتعيّن على الإنسان الثبات على هذا الإيمان إذا بدا له ما يخالفه؟ أليس هذا وببساطة خنق لحرية التفكير عنده وحقّه الطبيعي فيها؟!

والطامة الكبرى تكمن في أن الزحيلي يعتبر أن قتل المرتدّ ضرورة لحفظ حرّية المعتقد، يقول :« والحقيقة أن هذا الحكم القاسي الشديد للمرتدّ هو فرع من حرّية التديّن والاعتقاد.» حقّاً إنه منطق عجيب غريب. والمقولة هذه نراها تتكرّر في كتابات الغالبية من المدافعين عن حدّ الردّة. يقول عبدالعظيم المطعني:« قتل المرتدّ لا يصادر حرية الاعتقاد في الإسلام»[8]  وهو في الحقيقة لا يفعل سوى ذلك. ونكتفي بهذا القدر.

أما حرية التعبير فنجد أن إعلان القاهرة قد قيّدها بشتّى القيود، فجعلها شبه معطّلة.

فالإعلان العالمي ينصّ في هذا الشأن(مادة19)على :« لكلّ شخص الحقّ في حرّية الرأي والتعبير وهذا الحقّ يتضمّن حرّية اعتناق الرأي  من دون تدخّل وحرّية السعي إلى المعلومات والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأي وسيلة بغضّ النظر عن الحدود الجغرافية»[9]

فحرّية التعبير مطلقة في الإعلان العالمي. أما في الإعلان الإسلامي فهي مقرونة بقيود تجعلها شبه ملغية. جاء في المادّة 22منه:« لكل إنسان الحقّ في التعبير بحرّية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية.»[10]    

فماذا تعني هذه العبارة الأخيرة المطّاطية؟ فمن شأن الحاكم أن يجد أي رأي حرّ أو تجديدي معارضاً للشريعة. فمن يعارض حدّ الردة مثلاً يحسب أنه يعارض المبادئ الشرعية، فيجيز هذا الحاكم لنفسه الحق في منعه عن التعبير عن رأيه. وكذا القول في من يعارض الحجاب إلخ ...

وهكذا تنحر حرّية التعبير بمسوّغات شرعية ، وهو ما يحصل غالباً اليوم.

والخلاصة فحرّية المعتقد وحرّية التفكير وحرّية التعبير وهي حرّيات متلازمة ليست في الحقيقة مضمونة في إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام.

 وآخر ما سندرس ونفنّد من مواثيق إسلامية دولية في حقوق الإنسان الميثاق العربي لحقوق الإنسان وقد صدر عن جامعة الدول العربية بقرار من مجلس الجامعة رقمه 5437 الدورة العادية بتاريخ 15/9/1994. وأعيد النظر فيه وصدر بصيغته المعدّلة في 23/05/2004. بعد أن وافقت عليه قمة الملوك والرؤساء العرب بقرار رقم 270، في الدورة العادية16.

تناول الميثاق العربي حرّية التفكير والمعتقد والتعبير في صيغته الأولى 1994 في المادّتين 26 و 27 مادة 26: حرّية العقيدة والفكر والرأي مكفولة لكلّ فرد.

مادة 27: للأفراد من كلّ دين الحقّ في ممارسة شعائرهم الدينية ، كما لهم الحقّ في التعبير عن أفكارهم عن طريق العبادة أو التعليم وبغير إخلال بحقوق الآخرين. ولا يجوز فرض أية قيود على ممارسة حرّية العقيدة والفكر والرأي إلاّ بما نصّ عليه القانون.

 فالميثاق العربي لحقوق الإنسان، مقارنة بالمواثيق الإسلامية المماثلة والتي عرضنا نماذج منها ، يبدو أقلّ اشتراطاً وأكثر اطلاقاً واحتراماً للحرّيات، وكذلك أقلّ ارتباطاً بالشريعة والفقه الإسلاميين. وهذا أمر طبيعي ، فهو يصدر عن جهة لا تتبنّى الإسلام ديناً وإن كان أكثر الدول العربية دولاً إسلامية الثقافة والانتماء. وأياً يكن يبقى للفقه الإسلامي تأثيره في الميثاق العربي، فهو يخلو من أية إشارة إلى حقّ المرء بتغيير دينه. وهو إغفال متعمّد بلا ريب، يمليه حدّ الرِدّة.

وفي الصيغة المعدّلة للميثاق والصادرة عن مجلس الجامعة في 23/5/2004 لا نجد تغييراً في الأساس والمضمون لا سيما بما يتعلّق بموضوعنا. وإنما ينحصر التغيير في الشكل. تنصّ المادّة 30 من الميثاق المعدّل في بنديها الأول والثاني:

  1-لكل شخص الحقّ في حرّية الفكر والعقيدة والدين. ولا يجوز فرض أية قيود عليها إلاّ بما ينصّ عليه التشريع النافذ.

2-لايجوز إخضاع حرّية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده أو ممارسة شعائره الدينية بمفرده أو مع غيره إلاّ للقيود التي ينصّ عليها القانون والتي تكون ضرورية في مجتمع متسامح يحترم الحرّيات وحقوق الإنسان.

نجد في النصّ المعدّل المزيد من التأكيد على حقوق الإنسان. ولكن المشكلة تبقى إياها: الإغفال المتعمّد لحقّه الطبيعي في تغيير دينه.

 

وفي شرعة مسلمي فرنسا

Charte des musulmans de France

طرحت الإشكالية إياها. فقد أكّدت مسودّة الشرعة على "حرّية المرء في تغيير دينه". ولكن بعض الجهات النافذة نجحت في حذف هذه العبارة برمّتها من النسخة النهائية والتي أعلنت العام 2000.[11]   

 

وما لم تستطع أن تضمنه أية وثيقة إسلامية دولية كانت أم إقليمية من حق للإنسان في تغيير دينه. طالب به وألحّ في الطلب العديد من المفكّرين المسلمين. ولا عجب من ذلك فهم أول وأكثر من يعاني من حدّ الرِدّة. فكثر هم أولئك الذين رفعوا الصوت مندّدين بهذه العقوبة المشينة وداعين إلى إسقاطها، لا سيما وأنها تضرب حقوق الإنسان وحرّياته عرض الحائط. فقال العالم المسلم غلام أحمد بارمير في ذلك:«حدّ الرِدّة يجعل من الإنسان مصيدة فئران، حالما يدخلها أحد فإنه لا يستطيع أن يخرج منها.»[12]

 ويقول المفكّر المصري سليم نجيب:« حدّ الرِدّة يجعل من الحرّية الدينية في الإسلام طريقاً في اتجاه واحد لا رجوع فيه.»[13]

ويقول المستشرق الفرنسي

 

«حرية الدخول في الإسلام مطلقة. أما حرّية الخروج منه فمعدومة تماماً Péroncel-Hugoz

ومستحيلة.»[14]

 

 

ولعلّ الدستور اللبناني هو الوحيد بين الدساتير العربية والمواثيق الإقليمية الذي لا يعاني من "عقدة حدّ الرِدّة". ولا نستغربنّ التعبير فأكثر الدساتير العربية وكل دساتير الدول الإسلامية تعاني ممّا يمكن تسميته "عقدة حدّ الرِدّة". فهي تمتنع غالباً عن ذكر عقوبة على الردة لمخالفة أي عقوبة من هذا النوع حقوق الإنسان الأساسية التي كفلتها الشرعة العالمية. وهي بالمقابل تمتنع عن أي ذكر لحق الإنسان في تغيير دينه. وهي حال المريض النفسي الذي يعاني من عقدة ما. فهو يرفض الإقرار بمرضه أو بعقدته. ولو أقرّ بها لسهل علاجه.

والدستور اللبناني متحرّر ومذ وضع سنة 1926 من عقدة حدّ الردّة. فقد نصّت المادة 9 منه على:« حرّية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرّية إقامة الشعائر الدينية على أن لا يكون في ذلك إخلال بالنظام العامّ.»[15]

وهذه المادة من الدستور اللبناني لم تعدّل مذ صدر في 23/5/1926.[16]

وقد عاد الدستور اللبناني ليؤكد في مقدّمته المضافة إليه بموجب القانون الدستوري الصادر في 21/9/1990 على حرّية المعتقد المطلقة التي عليها قامت الجمهورية اللبنانية. فجاء في الفقرة ج من المقدمة:

«لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية تقوم على احترام الحرّيات العامّة، وفي طليعتها حرّية الرأي والمعتقد.[17]»

وهذا التأكيد على حرّية الاعتقاد المطلقة وممارسة هذه الحرّية جعل من لبنان البلد العربي الوحيد الذي تعيش فيه جماعة من العابرين من الإسلام او من المرتدّين عنه وفق التعبير الفقهي وتعلن عن ردّتها من دون أي خوف من عقوبة أو ردة فعل. وهي التي عرفت ب كنيسة الإسلام[18] ممّا سنعود إلى الحديث عنه.

وختاماً لهذا الفصل التمهيدي لا بدّ من الإشارة إلى أن اللاّفت في حدّ الرِدّة هو أن ما زعم من إجماع ظاهري عليه وعلى تنفيذه يبدو واهياً عند أول تفحّص له. فليس لعقوبة قتل المرتدّ أساس لا في القرآن ولا في السيرة النبوية. أمّا ما سمّي إجماع الفقهاء عليه فتنقضه آثار وروايات عن كبار الصحابة والتابعين والعلماء. فقد ثبت عن الخليفة عمر بن الخطّاب (ت23هـ/644) رفضه لقتل المرتدّ. كما ثبت ذلك عن عمر الثاني أو الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز. ومن رافضي هذا الحدّ من العلماء والفقهاء والمحدّثين سفيان الثوري(161هـ)، وابراهيم النخعي (ت196هـ).

فهذه العوامل وكثير غيرها تبيّن أن حدّ الرِدّة صناعة فقهية لاحقة ومتأخرة. وهو ما سنعرض له ونتفحّصه في ما سيلي من فصول.

 

                                                                                                    

                                                                                                    

                                                                                                    

- أبو زاهر،نادية، الحقّ في تغيير الدين بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، مقالة على موقع:

www.maaber.com

 

[1]

- سعد الدين، د. محمد منير، حقوق الإنسان والتربية على التسامح والعيش المشترك الإسلامي-المسيحي، جونية/لبنان، المكتبة البولسية، ط1، 2004، ص132.[2]

- سعد الدين، م.س، ص114.[3]

- م.ن، ص115.[4]

- سعد الدين، م. س، ص95.[5]

  م. ن، ص 91.-[6]

[7] - الزحيلي، محمد، حقوق الإنسان في الإسلام، دمشق، دار إبن كثير،ط1، 1997، ص181.

[8] -المطعني، عبدالعظيم إبراهيم، عقوبة الارتداد عن الدين بين الأدلّة الشرعيةوشبهات المنكرين، القاهرة، مكتبة وهبة، ط1، 1993، ص85.

- م. ن، ص 132-133[9]

- م. ن، ص 99.[10]

[11] - Chaumont,op. cit,p66.

- صليبا، د. لويس، عابر يلبس كهنوت المسيح، سيرة الأب عفيف عسيران وروحانيته، جبيل/لبنان ، دار ومكتبة بيبليون،ط3، 2014، ص305-306.[12]

- نجيب، سليم، حرّية العقيدة في الإسلام ، موقع إيلاف،11/12/2004.

www.elaph.com[13]

[14] -Peroncel-Hugoz, Jean Pierre, le radeau de Mahomet, Paris, Flammarion, 1984, p. 24.

-الدستور اللبناني، الجمهورية اللبنانية، مجلس النواب، 1990، ص11-12.[15]

-صليبا، د. لويس، عابر يلبس كهنوت المسيح، سيرة الأب عفيف عسيران وروحانيته، جبيل/لبنان، دار ومكتبة بيبليون، ط3، 2014، ص410. [16]

- الدستور اللبناني، م. س، ص7.[17]

-صليبا، لويس، عابر، م.س،ص407-435.[18]