بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
321
834491

صفحتنا على الفيسبوك

مقدمة رواية الأرض إن توقفت عن الدوران ل يولند بيروتي

Share

مقدمة رواية الأرض إن توقفت عن الدوران ل يولند بيروتي
في هذا الزمن الأبوكاليبسي apocalypse  الرؤيوي بامتياز  أنعجب أن تتحفنا كاتبة تتحسّس قضايا عصرها برواية أبوكاليبسية؟!
أن يخلو زمننا من الأدب الرؤيوي هو الأمر الذي يثير العجب.


أجل عصرنا هذا عصر أبوكاليبسي بامتياز.ففيه رأينا الرؤوس تتطاير ، بل وتستخدم كرة قدم تركل في الساحات. وفيه يحرق الناس أحياء ويسقط الأبرياء في عمليات إجرامية بالمئات، ولا ذنب لهم سوى أنهم من طينة البشر. وفيه يذبح الآدميون على الشاطئ، فتلوّن دماؤهم مياه البحر وتصبغه بالأحمر الداكن.
مشاهد رأيناها واقعاً رغم أنها أغرب من أي خيال. ولعلّها لم تخطر ببال كتّاب الأدب الرؤيوي القديم على ما فيه من غرائب وفظائع. فكيف لا يلهم هذا الزمن كتّابه ويوحي لهم بروايات وأعمال رؤيوية؟!
وهل يغرب عن بالنا أننا في عصر وصل جبروت الإنسان  وبطشه فيه إلى حدّ غير مسبوق! فهو بما اخترع وصنّع من قنابل ذرّية وكيميائية ... إلى ما هنالك من أسماء قادر أن يفجّر هذا الكوكب الجميل عن بكرة أبيه.ولكن وبغضّ النظر عن هذه القدرة التدميرية الشاملة والكاسحة ، ألا يؤثّر الإنسان سلباً على كوكبه الصغير هذا؟
فماذا عن الاحتباس الحراريّ وسخونة الكوكب Rechauffement de la planete. أليس كل هذا من صنع يديه؟! وإذا استمرّت هذه الحرارة بالارتفاع ،فستحوّل الأرض جحيماً فعليّاً، وقد تقضي على أكثر الكائنات عليها.  وبعد كلّ هذا أنستغرب تصوّراً من نوع توقّف  الأرض عن الدوران؟!
عرضت عليّ الكاتبة الصديقة يولند بيروتي عملها الروائي هذا، متمنية ان أصدّره بمقدّمة. وطلب صديق وفيّ مثلها لا يردّ. فكيف إذا تعلّق الأمر بعمل أدبيّ فيه عبرة لمن اعتبر؟
   وكان من أسهل الأمور عليّ أن أكتب لها بضع صفحات أقرّظ فيها الكاتبة والكتاب. ولكنّني آثرت أن تتجاوز مقدّمتي هذه المجاملات الشكلية لتغوص في بعض أبعاد هذا العمل الروائي. غير أنني ، ومن جهة اخرى، لست بصدد كتابة دراسة وافية لروايتها. حسبي أن تكون مقدّمتي مدخلاً  إلى دراسة.
وسيدور بحثي الموجز هذا حول محاور ثلاثة:
1-    الأدب الرؤيوي عموماً.
2-    الكاتبة الصديقة يولند بيروتي.
3-    نظرة تحليلية في العمل الروائي الذي اقدّم أو جولة فيه.
1-الأدب الرؤيوي
سبق لي أن درست مراراً الأدب الرؤيوي وبحثت فيه. لا سيما في كتابي "معراج محمّد"( ) ولا يتسع المجال هنا لتكرار ما قلناه في هذه الأبحاث ، بل لا ضرورة لذلك. ونكتفي منها بذكر ما يتعلّق مباشرة بموضوعنا. فآداب الرؤيا Litteratures apocalyptiquesعرفت التقاليد اليهودية والمسيحية ،في نصوصها  القانونية والمنحولة ،الكثير منها. ورؤى حزقيال ودنيال من العهد العتيق ورؤيا يوحنا من العهد الجديد أمثلة على ذلك. ونصوص او كتب الرؤى هذه أكثرها يروي رحلات رمزية تتمّ في إطار رؤى ولا تتجاوز عموماً هذا الإطار. وأدب الرؤى يتطوّر غالباً وينتشر في الأزمنة  الصعبة أي عصور الحروب والكوارث الطبيعية وغيرها، والتي يخال للمرء فيها ان قد اقتربت نهاية العالم، وعلامات الأزمنة تدلّ على ذلك. ففي أوروبا  عرفت آداب الرؤيا تطوّراً وازدهاراً وانتشاراً في القرن الرابع عشر ، ومن اشهر ما ظهر من آثار في هذا المجال : سياحة حياة إنسانية Le pelerinage de la vie humaine (نحو عام 1330م) وكاتبه Guillaume de Degulville ورؤيا حاج حسن لِ Philippe de Mezieres(1393م)( )
أما ذروة هذا الأدب ودرّته الخالدة فكانت الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي دانتي (1265-1321). وفيها قلنا:« أما الكوميديا الإلهية وهي تحفة دانتي بل ودرّة الأدب الإيطالي ، فتنتمي إلى آداب الرؤى وتصوّرات الحياة الآخرة. وكان دانتي مطّلعاً على هذه الآداب وأوصاف الجنة والجحيم في الكتاب المقدس والكتب المنحولة والتراثين اليوناني واللاتيني الوثنيين»(  )
ماذا الآن عن الرؤيا في الأدب تعريفاً وتحديداً وميزات؟
« الرؤيا تمثّل ما هو غير موجود على أنه موجود، وذلك عن طريق الإحساس المرهف، والخيال المبدع . وهي أيضاً شعور بأن المستحيل ، في رأي الآخرين، ممكن التحقيق، بحيث يبرز لصاحب الرؤيا في وضوح صاعق، كأنه ماثل أمام عينيه. وقد تؤدّي هذه الحالة إلى تعبئة جميع القوى في تحقيق ما هو مستحيل أو معجز.»( )
والرؤيا في اللغة :« ما يراه النائم في نومه، وهي الكشف والتجلّي عند الصوفيين.»( )
ورواية يولند بيروتي التي نحن بصدد دراستها هي في صميم أدب الرؤى. فخاتمة الأحداث وآخر مشهد فيها هو التالي:« وأفاق جاك من غفوته مذعوراً، وراح يتمتم صلوات تعبّر عن إيمانه العميق واستسلامه  لإرادة الخالق : الحمدلله كان حلماً مزعجاً بل كابوساً»(ص...).
ولكن ، وقبل أن نتوسّع في عرض بعض الميزات الرؤيوية لهذه الرواية، لا بدّ من كلمة موجزة عن الراوية/الكاتبة.

كلمة في الكاتبة يولند بيروتي
عرفت يولند بيروتي منذ الصغر. فنحن أبناء حيّ واحد في جبيل. وكان أحد أشقائها زميلاً لي على مقاعد الدراسة. وقد ارتبطت عائلتانا باواصر صداقة متينة. وفترة الحرب اللبنانية العصيبة(1975-1990) عشناها سويّة ، والمصيبة تجمع يقول المثل.
كنا نحن أبناء العائلتين في شرخ الصبا ، وكانت يولند لا تستطيع إلاّ أن تنفعل وتتفاعل  مع أحداث هذا الوطن الصغير. وكثيراً ما كنت لا أشاطرها الرأي في مواقفها وتحليلاتها للأحداث. ولكنني لم أستطع إلاّ أن أحترم رأيها، لعلمي أنه لا ينبثق عن مصلحة، بل عن عاطفة صادقة وحبّ مشتعل ملتهب لهذا الوطن المنكوب. لم تستطع بالأمس، ولا هي بقادرة اليوم، أن تكون فاترة: لا باردة ولا ساخنة. وطالما ذكّرتني بآية سفر الرؤيا:« أنا اعرف أعمالك. وأعرف أنك لا بارد ولا حارّ. وليتك كنت بارداً او حارّاً. ولأنك فاتر لا حارّ ولا بارد فسأتقيؤك من فمي»(رؤيا يوحنا3/15-16). لكأنها اندمجت بالرؤيا وبسفر الرؤيا قلباً وقالباً ، فحتى شخصيتها  منحوتة من تعاليمه. أفنعجب بعد أن تتحفنا بأدب رؤيوي؟!
ويولند لبنانية صرف. ومن يلقي نظرة سريعة على روايتها هذه يدرك إلى أي مدى هي متجذّرة في هذا الوطن والانتماء إليه. فالرواية بقسميها المحلّي: أي لبنان وجواره ،والعالمي: سائر ارجاء الأرض يبقى مسرحها الأساسي لبنان. لبنان على الأراضي اللبنانية ، ولبنان في سائر بقاع الأرض: أميركا وأستراليا وغيرها. لبنان المقيم ولبنان  المغترب. وكأنها لا ترى على الخارطة سوى لبنان. إنها إنسانةً وكاتبةً لبنانيةٌ حتى العظم، بل حتى النخاع الشوكي من العظم. وهل يضير الكاتب التصاقه ببيئته وعشقه لها؟!
بالطبع لا. فنجيب محفوظ مثلاً وهو أكثر روائيي العرب عالمية، تدور أحداث الأكثرية الساحقة من رواياته في القاهرة مدينته المحبّبة. فمسرح سيرته وحياته هو هو مسرح رواياته.
جولة في الرواية
وننتقل الآن إلى الرواية موضوع بحثنا. ونذكّر بدايةأننا لسنا بصدد دراسة وافية لها. فما مقدمتنا هذه سوى مجموعة خطرات وتحاليل أوحتها لقراءة الأولى ل "الأرض إن توقفت عن
دورانها".
وأول ما نودّ أن نشير إليه أن الكاتبة لا تغرق في الغرابة أو تخيّل المستحيل، فما تفترضه من توقّف للأرض عن دورانها سبق للكتاب المقدّس أن حكى عنه. ففي سفر يشوع بن نون آيات شهيرة أثارت جدلاً علمياً طاحناً في عصر النهضة الأوروبي. تروي البيبليا:« في ذلك اليوم الذي هزم فيه الربّ الأموريين أمام بني إسرائيل، ابتهل يشوع إلى الربّ على مسمع من الشعب:" يا شمس دومي على جبعون ، ويا قمر على وادي أيّلون".فثبتت الشمس وتوقّف القمر حتى انتقم الجيش من أعدائه. توقّفت الشمس في كبد السماء، ولم تسرع للغروب نحو يوم كامل. ولم يحدث نظير ذلك اليوم لا من قبل ولا من بعد. فيه استجاب الربّ لدعاء إنسان»(سفر يشوع 10/12-14).
وفي الحقيقة فيولند تنقل هذا الحدث إياه إلى زمننا . فروايتها تبدو من هذه الناحية بيبلية جوّاً واستلهاماً. ومعلوم أن هذا النصّ من سفر يشوع كان سبب تبنّي الكنيسة لنظرية علم الفلك البطليموسي القديم، والقائلة أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. وقد سجن غاليلي وحوكم  إستناداً إلى نصّ البيبليا هذا.
وها هي صديقتنا يولند تفترض الحدث عينه في أيامنا، ولكن بلغة علمية عصرية، فالأرض هي التي تدور حول الشمس يقول علم الفلك الحديث ويؤكّد. فهي إذاً التي تتوقّف عن الدوران لا الشمس. ولكن ما يَخبره الناس ويرونه يبقى إياه زمن يشوع بن نون وفي زمننا : الشمس ثابتة في كبد السماء لا تتزحزح.
  وتروح بنا يولند بيروتي ، فتنقلنا من مقلب في الأرض إلى مقلب آخر. يشطح خيالها بعيداً ونشطح معها. نتبعها بشوق من قصة إلى أخرى، ومن فرضية إلى أخرى. ولكن أدبها الرؤيوي يبقى دوماً ملتصقاً بالواقع. فهي تنطلق دوماً من الواقع لتعود دوماً إليه. أفلا ترضى عن الواقع بديلاً؟!  ولمَ الحلم إذاً؟!
أم أن أقصى أمنية المرء أن يستيقظ من الكابوس، كابوس توقف الأرض عن دورانها كما حصل  لِ جاك في نهاية الرواية،   وهو مشهد سبقت الإشارة إليه. أيستيقظ ليعودَ إلى الواقع؟ وهل يبعدُ واقع أيامنا المؤلم عن الكابوس؟!
  تبقى يولند في جوهرها قلماً مؤمناً وملتزماً . مؤمناً بالإنسان وكذلك بخالقه. ومشاهد روايتها بأكثريتها الساحقة تؤكّد ذلك.
فهي تريد أن تعاقب على الخيانة الزوجية فتعطّل لقاء حبيبين خائنين كلٌّ لزوجه. ففي نهاية الفصل الخامس تهتف سحر الحبيبة/الخائنة بداخلها: « ماذا أفعل الآن؟ أأذهب إلى موعدي معه؟ أم أتريث قليلاً؟ أتراه ينتظرني ام ينتظر حتى يتزحزح قرص الشمس من مكانه؟ ليته يجيب على رسالتي! آهٍ لو يجيب.
ورمت الخليوي أرضاً بغضب شديد.»
حيرة سحر، غضبها وبالأخصّ تعطل لقائها الغرامي الخياني أليس عقاباً تنزله الكاتبة بالخائنين؟
عقاب في مكان وثواب في آخر. ففي الفصل السابع مجموعة خيانات أخرى:  سناء يخونها زوجها راجي، وطارق المحامي تخونه زوجته بالجرم المشهود. وهنا تكافئ الراوية ضحيتيّ الخيانة المزدوجة هذه فتجمع بين سناء والمحامي طارق زميلي الدراسة بعد أن فرّقت بينهما الأيام وسوء تفاهم وقعا يومها ضحيته.
ومقابل خاتمة/عقاب في الفصل الخامس خاتمة/ثواب في السابع تسوقها الكاتبة برومانسية دافئة وشاعرية عذبة ، فتقول: « حدّقا ببعضهما وتشابكت أيديهما، وتمتما بحبّ: آه لو يتوقّف الزمن بنا ونحن معاً. فنحيا معاً، ونموت معاً، وندفن معاً.»
يبدو التضادّ جلياً واضحاً بين الخاتمتين: في الفصل الخامس خيانتان فجّتان تجمعان حبيبين فيفرّق بينهما حدث كونيّ استثنائي، وفي السابع يجمع الحدث إياه ضحيتي خيانتين أخريين!!
أفلا يأتي الثواب والعقاب إلاّ من خارج النظام الكونيّ وبحدث  استثنائي يطيح به؟!
وتبدو لنا يولند أحياناً بل بالأحرى غالباً كاتبة صاحبة قضية ،وقضية أنثوية بالأخصّ. لنصغي إليها تشكو  بلسان بطلتها سناء: « كان في كلّ مرّة يلجأ إلى الغصب حتى يقيم علاقة حميمة معي . وكنت في كلّ مرّة أخرج منها كمن يخرج من معركة خاسرة محطّماً.»
سناء هنا تتحدّث عن زوجها راجي، فهل بين زوجين شرعيين اغتصاب؟ إنها آفة العنف الأسري وإحدى معضلات مجتمعنا الشرقي المعاصر ، والكاتبة تأبى إلاّ ان تأخذ منها الموقف الملائم. وحتى أدياننا  الإبراهيمية كثيراً ما تغالي في ذكوريتها. فنجد القرآن مثلاً قد شرعن للزوج الحق في ضرب زوجته: « فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهنّ» (النساء4/34). وقد درسنا بعض المسوّغات الشرعية والدينية للعنف الأسري ضدّ المرأة  في كتب سابقة لنا.(  )  ولن نتوقف عندها هنا ، وإنما نكتفي بأن نحيّي موقف الكاتبة الر ائد هذا.
وهذا الحسّ الأنثوي المرهف لعلّه من أبرز ما يشدّ القارئ إلى رواية يولند. فأحياناً تكاد الدمعة تنهمر من عينيه عندما يقرأ  كلمات تعبّر فيها الكاتبة عن مشاعر الحبّ عند أبطالها أكان هذا الحب بنوياً أم غرامياً أم غير ذللك. لنقرأها تصف حزن فريد على أمّه مثلاً :« تقبرني يا خيّي ... انهمرت دموع فريد وخيّل إليه أن أمّه تردّد هذه العبارة التي كانت محطّ كلام عندها: "تقبرنوني يا ماما ما تتأخروا...تقبرني يا ماما قوم كول...تقبروني طلّوا عليي بالصيف" مسح دموعه وقال في أعماقه: سنقبرك يا ماما غداً ... لكنك ستبقين حيّة في قلوبنا وقلوب أولادنا.»
في هذا المزج الموفق بين العامية والفصحى تبدع الكاتبة في التعبير عن حزن بطلها على أمه وتفلح في جعل القارئ يعيش ويخبر تجربة بطل القصة. وهي بذلك، وبغيره من المواقف، تظهر حرفية عالية في الوصف والسرد. لكأنها تلج عمق سريرة أبطالها وتظهر الباطن والمخبوء للعيان.
ومن توفيقاتها في الوصف ما تنقله عن جوّ التعازي:«  حتى الذين لم يكونوا على وفاق معها، أصبحت عندهم غالية بعد الممات. فكأن الموت يمحو الذنوب ، ويغسل الخطايا، ويزيل العيوب. فيغدو الميت ملاكاً هابطاً من السماء، وتكثر الأقاويل والأخبار عن كياسته ولياقته ولباقته ومحبّته للناس وتواضعه ومساعدته للآخرين ومشاركته لهم آلامهم وأحزانهم وأفراحهم، وكرمه الحاتميّ وحكمته ورجاحة عقله... و... إلى ما هنالك من صفات يتبارون في تعدادها والتباري على فداحة فقدانه.»
أهي المحبّة لا تعرف عمقها إلاّ ساعة الفراق كما يقول جبران؟
أم هو أدب التعازي الذي يحكمه الحديث النبوي الشريف القائل:« أذكروا محاسن موتاكم، وكفّوا عن مساويهم.»(  )
أياً يكن، فالكاتبة تدوّن  حلو عاداتنا وتقاليدنا ومرّها، وتبرع في وصفها. فهي تحسن المراقبة وتصوير الواقع  كما هو.  فتأتينا بمشاهد ولوحات من واقعنا الاجتماعي والديني والسياسي نخالها فيلماً وثائقياً بانورامياً. أدب واقعي يشعرنا وكأن الكاتبة تحمل كاميرتها السينمائية لتصوّر لنا بحياد واقع الأمور والأحداث.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية والكبرى في رواية يولند بيروتي: فهي تتحفنا بأدب رؤيوي. ولكنه أدب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالواقع. أو هو أدب رؤيوي يصف الواقع ويصوّره. والعبرة جاهزة منذ البدء. ولعل في المثل المتداول عند الموحّدين: « لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع.» خير تعبير عنها.
ورواية يولند مفعمة بقضايا وطنها  وسائر المشرق. ففي الفصل العاشر مثلاً يفوح إحساس وطني عروبيّ صميم. فالشمس المتوقّفة في كبد السماء تُفشل عملية اغتيال إسرائيلية لقياديّ فلسطيني في حماس....
أما الفصل العشرون والأخير ففيه تحشد الكاتبة جملة من الأماني والعبَر، تقول : « إذا توقّفت الأرض  عن الدوران قد تتحوّل حمامات السلام إلى صقور، والجرذان إلى طيور... وقد تتحوّل
أسلحة الدمار الشامل والأسلحة البيولوجية والنووية إلى ورد وسلام ... وقد تتلى القرآئين في الكنائس والأناجيل في الجوامع.»
وهي تعبّر كذلك عن مجموعة من الأمنيات والأحلام السياسية :« هل ستتوحّد دول المشرق العربي تحت راية الإسلام المعتدل الذي يتعايش فيه المسلم والمسيحي؟...
»هل سيتخلّى اليهود عن حلم هرتزل وبروتوكولات حكماء صهيون؟..
» هل ستتوقّف الاتفاقات والمعاهدات المزدوجة الأهداف مثل: اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور؟»
هل تعود الكاتبة هنا لتنقلنا مرة أخرى وأخيرة من الواقع إلى الحلم؟!
إنها جدلية الواقع والرؤيا التي اتقنت استخدامها في هذه الرواية. تصعد بنا وتحلّق عالياً مع الرؤيا والحلم، لتعود وتهبط إلى أرض الواقع. فهي لا تتوهّم ولا تبني قصوراً في الأحلام. ولكنها بالمقابل تأبى عن السعي إلى عالم يسوده الصدق والعدل بديلاً. عالم يعاقب الخونة ويجمع شمل المحبّين الحقيقيين حتى لو تطلّب الوصول إلى عالم كهذا... أن تتوقّف الأرض عن دورانها.
ولكن أهي حال يولند وحدها؟!...
من منّا لم يشعر يوماً بل وحتى في كلّ يوم أنه ممزّق بين واقع يعيش ومثال/حلم يسعى إليه؟!
ومن منا لا يجد نفسه، بصورة أو بأخرى، أقلّه في إحدى شخصيات هذه الرواية العديدة والتي تصوّر أحوال الإنسان في الفضيلة ... والرذيلة.
رواية يولند بيروتي ... حكاية الإنسان هي في هذا اليوم ... وكلّ يوم.
                                                                                       د. لويس صليبا
                                                                                   جبيل في 15/12/2015