بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
330
834500

صفحتنا على الفيسبوك

الصليب (الجمعة العظيمة – 12 نيسان 1974)

Share

الصليب
(الجمعة العظيمة – 12 نيسان 1974)

    إلى الجلجلة، إلى مؤتمر قمة الظلم وصلنا.وصلنا لنشهد محاكمة يسوع. إلى هناك أوفد كل شر مندوبًا عنه يمثله. كان هناك الحاكم الظالم والقاضي الجبان والكاهن الغبي، وأمين السر الخائن وشاهد الزور، وشرذمة من جنود يحافظون على نظم مهترئ عتيق، وكانت هناك مريم العذراء تحفظ لون حياء، وسط هذه الوقاحة البشرية التامة.

    كان هناك شعب تجمع لقتل الحياة، لصلب ابن الإنسان.
في قصر العدل، كانت مؤامرة على العدل. وثمن الحق بثلاثين فلسًا باعوه. كلما ندر حق نجس ثمنه.
    وما برح الناس منذ تلك الساعة يتآمرون على الحق ويدللون به، فيوجد ألف لص وسمسار يبيع ويشتري في كل مؤامرة على الحق في أي زمان ومكان، حيثما صلب حق وقضى على خير.
    ولا يزال النفاق ينتدب له ممثلين إلى جلسة الخيانة والجور، ويستقدم الشعب إلى هنالك ليتلذذ بمشهد الرذيلة ويمرّغ نفسه بأوحالها.

    لأي سبب صلبوا يسوع الناصري؟ للأسباب نفسها التي يستعين بها الظلم في كل عصر ليعطل البراءة ويقضي على دعوة الخير والسلام.
    ولكن ما يميز دعوى أي بريء مظلوم، حتى أقمناه مثلاً أعلى للتضحية والفداء؟
    ألأنه انتهك حرمة السبت عند اليهود؟ ألأنه تعرّض لشريعة موسى؟ ألأنه دعا على الهيكل بالخربان؟ أجل لكل هذا ولأعظم من هذا. لماذا؟
     ألأنه جعل نفسه فوق الهيكل والسبت وفوق الشريعة والتوراة، فوق داود وموسى وابراهيم؟ أجل لهذا ولأعظم من هذا. لماذا؟
    ألأنه ادّعى أنه يغفر الخطايا، وجدّف وعدّ نفسه مساويًا لله؟
أجل لهذا، وهذا كان كافيًا لإعدامه! ولكنه ارتكب أعظم من كل هذا.
    قتلوه لأنه كان قاتلاً. فمَن قتل؟ وهو الذي حرّم العنف، وحنّ على الأطفال، على عشب الحقل وعلى العصافير. فمَن قتل؟ لقد قتل إنسانًا وقتل إلهًا. قتل موسى وما يمثله من إنسانية عتيقة. قتل آدم الأول لما قتل المقاييس السالفة، لما عكّر القيم المألوفة، بلبل حروف الشرائع الموروثة، أنزل المنزلات عن عروشها، زعزع الطبيعة نفسها، خرق العادة. فرض على التينة ثمرًا في الشتاء، وعلى البحر أن يهدأ في العاصفة، وعلى سمكتين أن يطعما عشرة آلاف آكل، وأن تقوم جثة من قبر، ويقف ميت على نعشه في جنازة.

    تصوّروا الفوضى التي نشرها، تصوّروا لو أن حتميات الطبيعة بطلت، وقام الأموات من قبورهم وتحولت نظم الفصول عن حالها.
ولكن المسيح، رافض الحتميات كلها، فقد صرع القضاء والقدر، لما رفض أن يرضخ الأعمى لعماه والمقعد لعجزه، ففتح عين الأعمى وأنهض المقعد. رفض أن يستسلم الميت لحكم الموت فأقام الميت.
رفض أن تتحكم الطبيعة بلإنسان دون رادع، فطوّع الطبيعة: أسكت الريح والبحر ومشى على الماء.
 كل هذه المنزلات والحتميات والنظم والطبائع والشرائع التي ألفها الإنسان، منذ بدايات الزمن، كلها أسقطها.
أسقط معها الإنسان القديم، صفّى حسابه من التاريخ، أعدمه. كان المسيح قاتلاً فقتلوه.

    وارتكب المسيح الجنحة الأخرى المميتة، الكبيرة في الكبائر. بعد أن قتل الإنسان، تعرض لله، أماته على الصليب، صلبه معه. صرع إله الجنود، الإله البوليسي، الإله المستعبدَ الشعوب، الإله المستعمرَ الأرض، إله السلطان، إله المصلحة، إله الرأسمال. أنزل إله الغيب على عرشه وأحضر الحضور. جعل الحضور إلهًا. وأقام الإنسان الجديد إلهًا: «قلت انكم آلهة ترثون الأرض، وكانت الأرض ملكًا لله أجّرها إلى عبيده، فسلمها ابن الإنسان للإنسان.
    فلا عجب إن كفّروه وصلبوه.
    أتراهم هم الذين صلبوه؟ لم يكن لأحدٍ سلطان عليه كما صرّح بحضرة السلطان وهو مكبل بالقيود. هو بذل نفسه باختياره. علّق نفسه، إنسانًا وإلهًا، معلّقًا الإنسان العتيق ومعبوده العتيق. لينهض بعد غد الإله الجديد والإنسان الجديد.‍‍‍‍‍‍‍‍

    موّت الحرف فعاشت الحركة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍! ماتت الكلمة فتحرر الروح وانطلق في الكون الحوار، كما انطلق أول التكوين، يجدّد وجع الأرض. الصليب علم الحرية.
    باسم الحرية أعلن المسيح الثورة على السماء القديمة وربها، وعلى الأرض القديمة وإنسانها، وعلى الطبيعة وأحكامها. ولم تهرق في ثورته قطرة دم من غير دمائه. لم يُقتل في ثورة المسيح غير المسيح. هكذا شاء، فقتل هكذا العقل ومات هناك الموت.

    كل مرة أراد المتزعمون والدعاة في الدنيا الوصول إلى غاية، مظهروا الغاية تحت الشعارات، ضخموها تحت اللافتات، لتلتفت إليها الحواس وتتهوس فيها الغرائز.
    أما المسيح، فجاء الإنسانَ من الباطن لأنه الظاهر. من هناك حّك جذوة القلق، رسم علامة الإستفهام، حاصر الفكر والقلب، أحرج الضمير. من الباطن بعث القيم واستنبط الأسرار.
    أذاع المكتوم من الله ومن الإنسان، فأطلق الله والإنسان على خطّ المستحيلات. أطلق يد المستحيل في الممكنات، فإذا الله الذي لا يموت يختبر الموت، وإذا الإنسان المحدود يتطاول إلى الألوهة. لقد زجّ الله في الزمن، وقذف بالإنسان في اللانهايات.
    رفض الأوضاع القائمة في الدين والدنيا، في السماء والأرض والطبيعة والتاريخ. تعرّض لكل شيء، اقتحم كل شيء. وقلب كل شيء على بواطنه بوطن القضايا. جعل الرحمة موضع الذبيحة، والإنسان فوق الشريعة، والملكوت في القلب، والعبادة في الروح والحق، لا في هياكل من حجر. إلى الداخل أدخل الإنسان والله والملكوت.
    رفض ممالك الأرض التي عُرضت عليه. رفض هوس الشعب يوم أراد تنصيبه ملكًا. رفض التدجيل والتزلف. رفض أن يحمل سيفًا، ويملك عقارًا، ويكنز كنزًا. وأخيرًا رفض الرفض، لما قبل الموت، لما استقبل الموت، لما سلم للموت، أو بالأحرى لما سُلّم الموت إليه. بعد مروره في التاريخ، لم يبقَ شيء على حاله. وكل مرة مرّ في تاريخ نفس، لم يبقَ فيها شيء كما كان.

    المشهد الذي عرض على الجلجلة، لا يزال يواجه النفوس، يرافق الإنسان، يواظب الزمان. والمطلوب لا يبرح يتعرّض لكل عابر سبيل، وان كلماته السبع لا تزال ترنّ في السامع وتلاحق الناس، فهم، عرفوا أم جهلوا، قبالة الحق المطلوب، إزاء العود. أحرجهم المسيح على تلك المواجهة، أكرههم على المشاركة في المأساة، أدرجهم فيها، رقّاهم إليها.

    رضًى أم عنوةً، جيء بنا إلى هناك فجئنا، منا للطعن كالجنود، ومنا للشتيمة كاليهود، ومنا للغنة كلص الشمال، ومنا للإستغفار كلص اليمين.
    شئنا أم أبينا، نحن حضور في المأساة لأن في أتفه الأقوال والأعمال، تجاه أي إنسان، لنا وقفة لدى المصلوب وموقف منه. «ما صنعتموه بهؤلاء المساكين فبي صنعتموه». فالجمعة الحزينة مستمرة، لأن وسائل التعذيب لا تزال تملأ العالم، سيبقى الصليب مرفوعًا وفضيحة ذلك اليوم مشهورة، طالما بقي في الأرض عطاش إلى البر والخبز والمعرفة والعدالة والحرية.

    رسالة الكنيسة أن تكون حاضرة هناك، على أقدام كل صليب من أي نوع كان، أمًا حنونًا كمريم، واقفة لدى وحيدها الإنسان العاري، في أي زمان ومكان، حيثما توجد ضرورة لدفع ضريبة الخلاص.
    أين هي؟ ام ألهاها القبض عن الدفع. يوداس قبض والمسيح دفع. والكنيسة إن لم تكن كنيسة الأمانة للصليب والمصلوبين، هي كنيسة الخيانة والزور.وأمانتها لن تكتفي بإثارة الحزن العقيم وإذاعته في الطقوس، بل عليها أن تطرد الحزن من الدنيا، لأنها للفرح وجدت لا لتحذير المآسي. فلا يلهيينّ تمثيل الأم المسيح الماضية عن التزام الأم الحاضرة اليوم في جماعة المساكين.
    وكالمسيح الذي صالح العالم تصالح العالم، وكما تحدّى القدر تحدّاه، وكما أهلك الإنسان ليحييه تهلك وتحيي، تميت وتقيم، لا كنيسة التعازي والمرائي، بل كنيسة الجهاد والنزيف والإنبعاث، تلك التي تكون أول من يتطوع للموت وأول القائمين.
............

    المجد لصليبك أيها المسيح، أيها الحب المعلق على خشبة. أيها الحق المعلق على خشبة.
    بدمائك خططت لنا الطريق للحق والحياة.
حيث عُلقت، هناك وسط الكون وملء الزمن.
أنت على جلجلتك قبلة الكائنات ومحور الأزمنة.
ارتفعت فجذبت جميع الخلائق إليك، لتضمهم بين ذراعيك الواسعتين إلى قلبك، حيث يدفق ماء الحنان وماء الشهادة
بك أصبح البعيد قريبًا،
وجعلت الغرباء ضيوفًا، واليتامى بنين،
ومزجت أوجاع الأرض بأفراح السماء لئلا تضيع هدرًا على المعذبين.
    ها هي البيعة، باسم جميع الخلائق واقفة في ذهول لديك، تتأمل بك وبصليبك وبالمحبة كيف تكون.
    على هامتك إكليل العار، ونحن نطاطئ هاماتنا لديك.
المسامير في يديك المبسوطة، ونحن نرفع أيادينا ضارعة إليك.
    إن هوانك هو مجدنا.
وقلبك المفتوح مدخلنا إلى ينابيع الحياة.
عطشك على الصليب عطش العالم كله إلى الحق والمحبة،
وغفرانك للصالبين هو رجاء بر لكل حي وميت.
    بينما نحيي لذة صلبك نسجد لآلامك.
فحقق فينا سرّ قيامتك، لنشهد بالحق أنك مخلص العالم الذي يليق به الملك والعزة والمجد إلى أبد الآبدين.