بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
338
834508

صفحتنا على الفيسبوك

التزام المسيحي بالسلام وبالوساطة

Share

التزام المسيحي بالسلام وبالوساطة الأب ميشال حايك الجمعة 18/3/1983   صراع حول الموعيد والإلتزام بموعد السلام في كتب التاريخ، في كتب الوحي، بدايات متعددة : ابراهيم هو بداية حاسمة، ابراهيم التحليل، هو أب لهذا الشرق. والكل هنا أخوة، لأنهم كلهم بقوه. كان له. ولدان، استحكمت العداوة بينهما، ولكنهما، اسحق واسماعيل، أخوان، على رغم أنف العداوة والبغضاء. وعلى ما العداوة والبغضاء والخصام بينهما على المواعيد. وأية مواعيد هي تلك؟ هي وعد بأرضٍ تدرّ لبنا وعسلاً ً، ووعد بنسلٍ كبير، كالرمل على شط البحر، وكالنجوم في السماء. فهو إذاً، نزاع على امتلاك الزمان والمكان. صراع في سبيل وضع يد على العالم المتمثل بالأرض وفي سبيل القبض على التاريخ، المتمثل بالنسل الغفير. محور الصراع، هو هذه السيطرة. حتى إذا تمّت لواحد من الاثنين، الذين يمثلان نظريتين مختلفتين إلى الوجود، إذا تمّت السيطرة لواحد، حلَّ السلام على حساب الآخر، وسيكون حلول السلام، مع مجيء المسيح. بينما أبناء اسماعيل وأبناء اسرائيل، يتصارعون حتى التفاني، لكسب مواعيد التاريخ، وللقبض على العالم، وللاستقرار في أرض الأحياء، حيث يتوقعون، حلول السلام المسيحاوي المنتظر، يجد المسيحي نفسه تتمزّق بين الاثنين. كما تتفطّر أحشاء ابراهيم على ولديه، فماذا يختار المسيحي؟ - أيشرّد ويطرد مع اسماعيل إلى القفر، حيث يهلك أتون الصحراء؟ - أم يرافق اسحق حتى نار المحرقة على الجيل؟ - أم يبقى على الحياد؟ الحياد كان الفلسفة الهزيلة مدة عقود. وقد أدّت إلى كارثة، لأنها اعتمدت اللا التزام. فجاءت بذلك الشعار الذليل في لبنان: نحن مع العرب إذا اتفقوا، وعلى الحياد إذا اختلفوا. أي، أننا لا شيء مطلقاً، سوى أناسٍ استقالوا من أين هم ومهمة، من كل رسالة، أو تكون الرسالة رسالة وساطة روحية تحوّلت إلى ختاعة والمصالحة إلى سمسرة. كيف تجوز للسميحي استقالة؟ والمسيحية قامت على فعل التجسد، فهي إذاً التزام، على شبه المسيح، الذي التزم التاريخ كله، حتى تجرَّع الجسد، وغاص في الزمن، ونزل حتى الجحيم نفسه. لا، ليس المسيحيُ محايداً، في أي صراع كان، وهو خاصة، في هذا الصراع القائم أقل حياداً منه في أي نزاع آخر، بل إنه فيه، أشد المتصارعي التزاماً وأعني بالالتزام هنا، الاندراج الروحي في عمق القضيَّة الولوج حتى أعماقها، الوصول إلى أصولها، للكشف عن مراميها المكنونة المكتوبة تحت وفوق ووراء الصراع الدموي، الصراع المتمظهر بالقتال حول فلسطين، وهو بالحقيقة، صراع حول المواعيد التي قلنا، إنها لقيادة العالم وللقبض على التاريخ. إن التردد، والغموض والاضطراب، في موقف المسيحي، تجاه هذا الصراع الاسماعيلي الاسرائيلي، هذا التردد، ناتج عن شعور عميق، بأن المسيحي غير معنيٍ بما عليه يتخاصمون. بل هو معفي من المواعيد؛ 1- فالأرض الموعودة عنده، هي رمزٌ عن الملكوت، والودعاء يرثون الأرض، كما قال الإنجيل، فهو إذن لا يقصد القدس الترابية، بل أورشليم العليا، ولا هيكلها المصنوع من حجر، بل ذلك الهيكل الذي لم تصنعه أيادٍ بشريَّة، أي جسد المسيح القائم. كما أن اللبن والعسل فيها، يرمزان إلى الخيور المسيحاويَّة، أي إلى ثمار الروح، لا إلى ثمار الأرض. 2- كما أن النسل الموعود لإبراهيم غفيراً، هو ذرَّية المولودين من الماء والروح، من الإيمان والمحبَّة، فلا اختيار ولا امتياز لأحدٍ عندنا، بل بالعكس، مشروعه، يدعو لإبطال كل تمييزٍ، بين عبدٍ وحر، ورجلٍ وامرأة، ويهوديٍ وشعوبي، وأميٍّ وذميّ فلا فرق عنده بين قوم وقوم. ومذهب وآخر، ووطن ووطن. أبناء ابراهيم في نظره الروحي، هم الذين آمنوا بالمحبة. أبناء ابراهيم، لم يولدوا بالجسد وُلدوا ميلاداً ثانياً، غير تلك الولادات التناسليّة، التي تجعل من الإنسان إبن أبيه، وأمه، وابن قبيلة وأمَّة ووطن. الميلاد عندهم روحي. هذا ما كان يشعر به المسيحيٌ، حدساً، دون أن يستطيع الإفصاح عنه لذاته وللآخرين. كان يشعر به، والحرب دائرة، وهو يرى نفسه خارج حلبة الصراع، واقفاً موقف الحيرة، بين اسماعيل واسرائيل. أتراه كان يشعر بالحدس، أنه بين فريقين أخوَين، وهما أكثر من أخَوَين عنده. هما بالحقيقة ضحيتا ظلم، هما، اسماعيل واسرائيل، مظلومان، مصلوبا، حتى أصبحا كخشبتين متعارضتين على صليبٍ واحدٍ، مرفوع في مشرقٍ هو جلجلة، يَنزُّ منهما جراح المسيح. 1- اسرائيل: هذا اسرائيل في قدره الإبراهيمي النبوي هو ابن اسحق، أي أنه صورة مسبقة عن المسيح كذا رآه الآباء والمفسِّروه في الكنيسة: اسحق الحامل حطب المحرقة، الصاعد إلى جبل موريَّا، أي جبل أورشليم، اسحق الذي افتداه الله من الموت، هو وجه ينبؤ عن المسيح الذي سوف يحمل حطب صليبه، ويصعد إلى التلّة نفسها، ويفتديه الآب نفسه من الموت بالقيامة، فإسرائيل صورة مسبقة عن المسيح. 2- اسماعيل: وكذا قدر اسماعيل، موجّه صوب المسيح، ولن تدرك سيرة اسماعيل على حقيقتها إلا إذا قُرأت فصولها في الكتاب، على ضوء إنجيل الآلام. فاسماعيل، الذي تركه أبوه ابراهيم في الصحراء، إشارة مسبقة إلى المسيح الذي تركه الآب على الصليب، " لماذا تركتني". أليست استغاثة اسماعيل، وهو يموت عطشاً في القفر، هي نفسها صرخة المسيح على الصليب " أنا عطشان". اسماعيل، يموت تحت أنظار أمه هاجر، والمسيح لدى أمه مريم يموت، وكانت واقفة هناك. اسماعيل يقضي محروماً، أصابه الحرم من ميراثه. صورة أيضاً عن المسيح الذي حُرِم المجد، وصار، كما تجاسر بولس الرسول وقال: صار لعنة لأجلنا على ضوء هذه المكاشفات الروحيَّة، تَستبين الصور والوجوه والأقدار في حقيقتها. وكلها معلقة، على صورة ووجه وقدر المسيح. كاشف السرائر والحقائق. من هذه الأعماق، كان المسيحي، يقتبس بعض لمعاتٍ تُضيءُ في وجدانه، فلا يدرك محتواها كله، بل يعرف بحدسه، وبما ورث من تراث، إن ارتباطه الروحيّ بإسحق وباسماعيل، بالعرب وبالعبر، هو أعمق بكثير مما يعرف ومما هم يعرفون كلاهما، في أصل هويتهما، وفي قدرهما التاريخي وفي اكتمال مصيرهما، هما صورتان للمسيح لمسيحه، وهما لا يعرفان. بل هو يعرف ويعرف أيضاً، إن الروابط الأخرى، التي تشدّه إلى هذا، وإلى ذاك، وإلى ما يمثلان ويعانيان. هي عديدة: توراة: فمن جهة، يرى في التوراة كتابه المقدّس، ويتعرف في التوراة إلى آباء إيمانه، ابراهيم واسحق ويعقوب، وإلى أنبيائه: داوود واشعيا وارميا، ويرى في العهد القديم، سيرة خلاصه، هذا هو ارتباطه ببني اسرائيل. قرآن: ومن جهة أخرى، يرى في القرآن، صورة وضاءةً لمسيحه، ورسماً بهياً لعذرائه، ووصفاً رائعاً لقربانه، ويرى في لهجة قريش لغته المتداولة، وتعبيره الثقافي، وفي القبائل العربية، أنسابه التي ابتدع لإثباتها الأساطير، قبل أن تغرَّ به الحرب الأخيرة، عن هذا الإستعراب الذي عانى الأمرّين في سبيل حرّياته. نعم هذه الروابط الروحيَّة، باسحق واسماعيل، هي أعمق بكثير مما يعرف المسيحي ومما هم يعرفون. ولذا فقد حار وخار بين الإثنين، فاتهمه فريق بالخيانة، وفريق بالجبانة ولكن، لا هؤلاء ولا أولئك، أدركوا الأزمة الروحيّة التي كانت تعتمل في عمق وجدانه بينما الصراع قائم. وهو نفسه لم يفهمها على حقّها، عندما اعتمد الحياد، رافضاً الإنزلاق في منطق العنف، أتراه كان يدرك بحدسه أيضاً، إن هذا المنطق العنيف، هو مأزق. وأن المسألة هي روحية أولاً وإنها أعتق وأعمق من فصولها الأخيرة، فمردّها إلى الأحضان الإبراهيمية، إلى الأحشاء الإبراهيمية حيث كانت تتكون صورة يسوع المصلوب، على وجهي ولديه الضحيتين الأوليين العتيدتين. رفض العنف، من قبل المسيحي، في الصراع، لم يكن خيانة. فقد أثبت، لما أحرج للخروج عن مسلكه المألوف، ورسالته الأكيدة، أثبت أنه أشرس الناس هنا. يعرف أن يموت كالمسيح معراً متركاً من العالم، على جبل لبنان كعلى جبل جلجلة، لأنه من فاجعة الجلجلة ولد، ومن هناك سلمت القيامة إليه. ولم يكن رفضه خيانة، بل بالعكس، كان أمانة للمسيح فأي وجهٍ من وجوه المسيح المعذّب تراه يخون؟ وكلّما تعذّب إنسان، استعار وجه المسيح ليقبل العذاب. فكم بالأحرى، إذا كان العذاب يلطّخ وجه ولدي ابراهيم؟ من يتصور تمزّق عمق النفس المسيحية، لمَّا عاد الصراع إلى أشدِّه، وأعيد فتح الملف الإبراهيمي، على الصفحة نفسها، بين كان المسيحي يظن أنه فصل الدعوى، ولفظ الحكم النهائي، معلناً بالميثاق المسيحي الإسلامي المنفتح على اليهوديَّة، معلناً نهاية الخصام، وأن الصلح سيد الأحكام وأنه سيتحمّل فيما بعد، كل عطل وضرر. غير أن المسيحي، يُعاب عليه، أنه لم يتعمّق بمعاني الميثاق؛ ولم يجرؤ على استخلاص كل نتائجه فأصبح الميثاق، ذريعة للأحجام، وكان يجب أن يبقى حافزاً للالتزام. فاعتمد المسيحي، تلك الشعارات الهزيلة، القائلة بالحياد، كما ذكرناها والحياد، استقالة من الرسالة، ونقض للتجسد ورفض للفداء. أترى المسيح، كان محايداً في زمنه؟ أترى المسيح محايداً في الصراع الدائر؟ وكيف يكون محايداً هذا المسيح، وعلى وجه كلٍّ من اسحق واسماعيل، ملامح من صورته على الصليب فهو ملتزم بهما معاً. وكلاهما ينتظران من اسمه الخلاص والسلام كما قلنا. والتزامات المسيح، المعلّم، هي التزامات المسيحي التلميذ وهذا ما يجعل المسيحي مسمَّراً مصلوباً في وسط الصراع. ولا حيلة ولا خلاص له إذا لم يخلّص الآخرين. وكما أن المسيح ليس مسيحاً إذا لم يكن مخلِّصاً، كذا المسيحي، لن يكون مسيحياً، لن يستطيع أن يكون، إلا إذا أنقذ الآخرين: خلّص نفسك وخلّصنا. كذا قال المصلوبان للمسيح، يوم الجمعة العظيمة، ولا يزال الكلام يوَّجه إليه اليوم: خلّصنا تخلّص نفسك ومن كلَّفه بذلك؟ لا أحد كلَّفه. بل قد يكون الجميع، يرفضون على ما يبدوَ، رفضاً قاطعاً تكليف المسيحي بهذه المهمَّة، لا هذا التكليف اعتراف له برسالة مميزة أجل هذا في الظاهر. على أن الواقع، هو غير الظاهر والواقع هو أن وجود المسيحي، إن استمراره هنا، هو تكليف. وإن انتقال الصراع إليه، ووضع الكلمة الفصل بين يديه هو تكليف. وإلا فماذا يعني كل هذا اللف والدوران وكل هذه المجازر والحروب، التي أدّت بالنتيجة إلى تسليم المسيحي، مهمة السلام، وتحقيق وعود السلام، المشتركة التي تدعو اليهودية والإسلام إليها. فكلف أن يجعل السلامَ ناتجاً عن سلام العهد، بمعناه الكتابي الروحي. العهد الميثاقي، لا عن معاهدة سلام، توقع بين دولٍ وثنية، علمانية عادية، سلام ابراهيمي، سلام يتكوّن يقيام ميثاقٍ أخوي، ابراهيمي، مسيحاتي، مبني على الحق والعدل، لا على القهر والظفر والغضب. بين تراثات التوحيد الثلاثة، وتكون القدس في الوسط عاصمة هذا المثلث الروحي، عاصمة العالم. ثم إن المسيحيَّ لا يحتاج إلى تكليف من أحدٍ فأوراق اعتماده، هي أوراق عماده الممهورة بدم المسيح ذاك الذي هدم بصليبه جدار العداوات، وصالح العلو والعمق، وساوى بين الرجل والمرأة والسيد والعبد، والمختار والمنبوذ، واسماعيل واسرائيل،... لمّا هذا المسيح، اندرج ف تاريخ كل أحد، فهو هذا وذاك من المتخاصمين. وهو هذا وذاك من المتحابين أيضاً. ثم إن هذا المسيحي المشرقي، يجوز له أن يدّعي التكليف، وهو خير من يكلَّف، إذا كلِّف. لأنه بالنسبة لإسماعيل ولإسرائيل، ناصع الكفِّ والجبين. فلا يمكن لليهود بحق أن يتهموه بظلم كما اتهموا مسيحيي الغرب. ولا يستطيع المسلمون بحق أن يعيبوا عليه شيئاً من هذا. إنه كان كل عمره مظلوماً لا ظالماً، إلا إذا اعتبر دفاعه عن النفس، بعض الأحيان، خشية أن يبيده الظلم، ظلماً من قبله. أجل، يعرف المسيحيون أنهم، ليسوا أبرياء أبداً من كل عيب ولوم، صلاة أيها المسيح المصلوب، الذي خطط لنا بدمائه الطريق للحق والحياة، حيث عُلِّقت ، هناك وسط الكون، وملءُ الأزمنة. أنت على جلجلتك قبلة لكائنات ومحور الأزمنة ارتفعت، فجذبت جميع الخلائق إليك، وها هي البيعة بإسم الجميع، واقفة في ذهول لديك، تتأمل بك وبصليبك، وبالمحبة كيف تكون. على هامتك إكليل العار، ونحن نطأطئ هاماتنا لديك. المسامير في يديك المبسوطتين، ونحن نرفع أيدينا ضارعة إليك. إن هوانك هومجدنا. إن قلبك المفتوح مَدْخلنا إلى الملكوت. إن عطشك على الصليب هو عطش العالم إلى الحق والمحبة. إن غفرانك للصالبين، هو رجاء بِرٍّ لكل حي وميت. بينما نحيي تذكار موتك، نسجد لآلامك فحقق فيناسة قيامتك لنشهد بالحق، إنك مخلّص العالم، الذي يليق له المُلك والعزّة والمجد أبد الآبدين.