بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
333
834503

صفحتنا على الفيسبوك

الثورة المسيحية

Share

الفصل الخامس: الثورة المسيحية

 

الروابط والفواصل السياسية:

 

   بين المسيحية وبين ما سبقها من ديانات وحضارات روابط وفواصل، أي عناصر استمرار وعناصر قطيعة. أولى روابطها هي التوراة إذ إنها تحدّد نفسها كعهد جديد بالنسبة إلى «العهد القديم». لقد ورثت منه بعض مقولاته ولكنها تخطّت المواقف التوراتية في الأمر الذي يهمّنا هنا، وهو العلم السياسي.

   التوراة لا تعني بالسياسة إلا عرضًا عندما تلتقي الدين. فأساس النظرة اليهودية للسياسة هي قومية دينية لاهوتية تعتبر اسرائيل شعبًا مختارًا مرتبطًا بعهد قطعه الله مع ابراهيم ونسله إلى الأبد. فالله لا يحنث أبدًا بعهده، بل آلى على نفسه أن يقود شعبه مباشرةً ويحكمه بأوامر كلمته المنزلة، فلا يكره حريته ولا يعطّل إرادته، بل يعمد إلى الإقناع بواسطة أنبيائه ومعجزاته، أو يستعمل الوعد والوعيد والعقاب ليردعه عن غيّه ويعلّمه سبيل الأمانة.

   والله واحد، وحكمه مباشر (بينما لكل أمة من الأمم ملاك يحكمها، سفر «تثنية الإشتراع»، فصل 232 عدد 8-9). ينتج عن هذه النظرة ان لا دستور سياسي (وهذا كان همّ العالم الأغريقي) عند اليهود، بل شريعة دينية ومدنيّة مختومة بميثاق بين الشعب وربّه، وباسم هذه الشريعة وتحت سيادتها المطلقة نظّم موسى المجتمع؛ ومن بعد موسى حكم «القضاة» في شكل فيديرالية بين الأسباط الإثني عشر الذين قبلوا سيادة الشريعة التي أعطاها الله لموسى. وفي مرحلة تالية أصبح الحكم ملكيًا مع داود، على رغم اعتراضات فريقٍ هام من الشعب الذي خشي الإقتداء بالأمم الأخرى. ولكن الشعب الإسرائيلي، منذ البدء إلى النهاية، تحت حكم القضاة أو الحكم الملكي، وأيًا كان شكل الدولة، لم تتغيّر نظرته إلى السلطة، فهو يعتبر نفسه جماعة دينية، والحكم عنده هو تيوقراطي. فالآيات عديدة في سفر «الجامعة» وسفر «الحكمة» وعند «ابن سيراخ»، وفي «المزامير»، تذكّر الملوك بأنهم تحت سلطة الله، فعليهم الخضوع لشريعنه باستقامة واتضاع، وممارسة الحكم بالعدل والنزاهة، ليثبت ملكهم ويزدهر، وإلا فإن الله يعاملهم بقساوة فيضربهم «بعصا من جديد وكإناء خزّافٍ يحطمهم» (المزمور 2).

   لم تقدم اليهودية شيئًا للسياسة على صعيد المؤسسات، بل على مستوى مفهوم السلطة. وهذا ما ورثته المسيحية عنها (فلم ترث هنا الفكر الأغريقي الروماني)، لمّا اعتبرت أن السلطة هي من الله وأنها أداة للخدمة،فمهمّتها وظيفيّة. أي أن غايتها هي مصلحة الشعب بإقامة العدل بين الناس، فهي إذن شرطيّة مرتهنة بالغاية التي تسوّغ شرعيتها، وإلاّ فيجوز الصمود (السلبي أو المسلّح) للحاكم الظالم. (بعض اللاهوتيين أجازوا قتل الطغيانيّة tyrannicide في شخص الطاغية). أجل، إن فكرة المصلحة العامة أو الخير العام كمقياس للحكم الصالح ليست غريبة عن أرسطو، ولكن نظرة المسيحية أرسخ لأنها تقول بتبادل الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم، بينما أرسطو والفكر السياسي الأغريقي عامة لا يتخطى متطلبات المدنية ليصل إلى مطالب الشخص البشري.

   ثم إن المسيحية ورثت من اليهودية بعض التيوقراطية التي كانت تظهر من حين لآخر مع ظهور الحكم التيوقراطي في المسيحية (مثلاً عند البروتسطانت في القرن السادس عشر، وعند بعض المؤلفين مثل بوسويه (bossuet) الذي يضع نسب القديس لويس التاسع موضع نسب داود وسليمان).

   هذا بعض من مظاهر الأستمرار بين المسيحية واليهودية، على أن عوامل القطيعة أعمق، وأعظم هذه العوامل على الإطلاق هو الفصل بين الدين والدولة وإبطال القومية الدينية في تعليم الإنجيل.

   أما روابط المسيحية بالديانات والحضارات الباقية فعديدة. فالمسيحيون الأولون لم ينظروا فقط إلى اليهودية كمرحلة إعداد للمسيح، بل اعتبروا العالم القديم كله تمهيدًا للوحي المسيحي: فتوحيد العالم تحت سلطة رومه والسلام الروماني (Pax Romana) سهّلا نشر الدعوة الجديدة وبثّها بين الأمم. وكذا القول عن التعليم الفلسفي الأغريقي الذي اتخذه التعليم المسيحي في القرون الوسطى أساسًا لتصميمه الفكري اللاهوتي (في لوحة الفنّان كوزولي Gozzoli مار توما الأكويني بين أرسطو وأفلاطون). وكذا القول عن المؤسسات العامة القائمة التي قبلها المؤمن المسيحي وامتثل لنظمها ولم يحاول دحضها أو رفضها.

   على أن عوامل القطيعة أعمق من عوامل الإمتداد لأنها تمسّ نظرة الإنسان إلى الله والتاريخ. هنا جاءت المسيحية بتغيير جذري. الديانات المعاصرة كانت تقول بعقيدة حلولية طبيعية (naturisme) كما في أسطورة أدونيس مثلاً (الطبيعة تموت وتنبعث)؛ أمّا المسيحية فتضع الله فوق الطبيعة المنظورة، فتنشئ هكذا علم الميتفيزيقية بدل الميتولوجية. ولكنها تقول بتجسد الله في طبيعة البشر فتجعل الإنسان مشاركًا بالألوهة، وهذا يعني أنها لا ترفض ولا تنبذ الإنسان بل تقيّم مآتيه ومآثره وتقصد افتداء هذه القيم أي بعثها إلى حالة تقييم جديدة. وهذا ما سيكون له نتائج هامة في السياسة والفلسفة والفنّ. بالإختصار إن ما يميّز المسيحية عن غيرها (تجسد الله) هو ما يوحّدنا مع الآخرين (فالتجسد هو اتخاذ الطبيعة الإنسانية كلها). فلن تقول المسيحية بقطيعة تامة مع العالم الوثني بل إنها استمرار لخير ما فيه وتنميةٌ للبذور المزروعة فيه وتحريرٌ لقيمه من القيود. مثلاً واجب العدالة عند شيشرون، والفضيلة الإجتماعية عند أرسطو، ووحدة الطبيعة البشرية عند الرواقيين، كل هذا ستنوّره من الداخل الشريعة الجديدة التي جاء بها المسيح والتي تجعل المحبة أساسًا لكل الشرائع والقوانين والأنظمة، وتدعو المؤمن أن يمارسها فيشارك الله في حياته: «قلت انكم آلهة».

 

المبادئ المسيحية الكبرى:

 

   عقيدة التجسد، أي الإيمان بأن الله اتخذ طبيعة الإنسان، تضفي على الإنسان قيمة لا حدّ لها. الشخص البشري له الأولوية، لأنه «من ذرية الله»، فهو مدعوّ للخلود ومشاركة الله في أبد سعادته. هذه النظرة مغايرة جذريًا لما سبقها، إذ ليس من ديانة أو حضارة أعطت للإنسان قيمةً وبعدًا كما أعطت المسيحية.

     عن هذه النظرة تنتج مواقف أساسية في السياسة. أولها أن الإنسان لا يجوز أن يُحصَر في الدولة (توتاليتارية أرسطو والأغريق) بل هو يتخطاها بأصله ومصيره. ولا يجوز أن يصبح ملحقًا أو ذائبًا في الدولة (التوتاليتارية المعاصرة)، لأن غاياته الأساسية التي لا يمكنه أن يضحّي بها هي أبعد من الدولة. فالدولة القديمة كالدولة الفاشيّة الحديثة، هي سجن الشخص البشري. المسيحية تكسر زاوية فيها فتفتح ثغرة صوب الأبعاد اللامتناهية. فهي إذن لا تستطيع قبول الحجْر عليها في الدولة ولا الخضوع لأي قرار من الدولة، ولا تقبل بسيادة الدولة إلا إذا بقيت الدولة منفتحة على المطلقات التي دُعي إليها الشخص البشري من حيث هو مشروع تألّه. فالحدّ من حقوق الدولة وهيمنتها على الأشخاص هو مطلب أساسي في المسيحية. وبسبب هذا المطلب الذي لم تتخلَّ عنه المسيحية أبدًا نشأ فصل جديد في الحقوق موضوعه علاقات الدولة بالأفراد وبالجماعات البشرية. بهذا ساهمت المسيحية في تغيير الإهتمامات السياسية التي كانت من قبل منصبّة على البحث عن الدستور الأصلح للحكم الأفضل. فالدساتير والمؤسسات كلها زمنية نسبيّة موقتة في نظر المسيحية. أما إذا كان البعض من المفكرين المسيحيين اعتبروا أن بعض النظم (الأمبراطورية، الملكية، أو الديموقراطية اليوم) هي من صلب الوحي المسيحي، فالأكثرية اعتبروا أن لقاء الوحي ببعض النظم والمؤسسات والأحكام أمرًا عارضًا للمسيحية منزلات على مستوى السياسة (كما في الإسلام التقليدي). وهذا الرأي هو الأصح، بل هو الصحيح.

   عقيدة التجسد التي تعطي الأولية للشخص البشري وتضفي عليه قيمة مطلقة وتخوّله حقًا فرديًا لم تعرفه الذهنية القديمة (الأغريقية والرومانية القائلة بأن الكل موجود قبل الجزء...)، هذه العقيدة نفسها تفترض وحدة في الإنسانية تمسّ أعمق أعماق الطبيعة (غير الوحدة الجغرافية والديموغرافية والسياسية التي أرادها أرسطو للمدينة الدولة)، لأنها تعلّم أن لا فرق في الطبيعة بين الناس، فلا عبد ولا حر ولا رجل ولا امرأة ولا يوناني ولا يهودي (كما يقول بولس الرسول)، بل فروق عارضة بالوظيفة والعرق والطبقة. فالحواجز التقليدية التي أقامها الأغريق واليونان والرومان وغيرهم بين الشعوب «أبطلها المسيح بصليبه» وأعلن المصالحة بين الله والإنسان وبين الإنسان وأخيه، فالله أب الجميع والكل أخوة، (المسيحية أدخلت معنى جديدًا على كلمة «إنسانية»-humanitas باللاتينية، anthropotes باليونانية). فالمنطق يفترض إذن أن تصبح هذه الإنسانية الواحدة روحيًا وفلسفيًا واحدةً قانونيًا، فتخضع لحكم واحد وشريعة واحدة. هذه العملية التوحيدية على صعيد الحكم والدستور كانت تجربة من التجاريب التي تعرّضت لها المسيحية في القرون الوسطى. وإذا كان بعض الشعوب المسيحية قد سقطت في التجربة في بعض العصور، فالمسيحية لم تنسَ أبدًا أن القول بالوحدة الإنسانية لا يعني توحيدًا في الفكر وفي الحكم السياسي. لأنها مع القول بالوحدة الروحية تعلن الفصل بين سلطة السياسة وسلطة الدين.

   هذا التمييز بين السياسة والديانة هو في أصل الحق العام المعاصر المتطور الذي قام على التمييز بين قيصر وبين الله، وهذا ما لم تعرفه العصور القديمة وكثير من الدول القائمة اليوم، حيث نرى الدولة تبسط سيادتها على كل شيء، فالدين نفسه هو مؤسَسَة من مؤسساتها (الأغريق، الرومان، المصريين، الفرس الخ) أو تسلّم نفسها للمنزلات الدينية فتوظّف نفسها لتطبيق أوامر الديانة (التيوقراطيات القديمة والحديثة، بعض الدول الإسلامية الخ)، أو تنبذ الدين أو تضطهده أو ترفض الإعتراف بوجوده الشرعي (بعض أشكال العلمانية، الماركسية اللينينية الخ).

     إن التمييز بين الدين والدولة يستند إلى مسلك المسيح وتعليمه في الإنجيل. فهو حين يعلن حلول الملكوت، وان «ملكوت الله في داخلكم»، وان مملكته «ليست من هذا العالم»، وان قومًا من القيام ههنا لا يذوقون الموت حتى يعاينوا ملكوت الله» (انجيل متى 28،16، مرقص 1،9، لوقا 27،9) يعني بذلك نهاية أو بدء نهاية الممالك، أي الدول، التي تهتم بتنظيم المجتمع البشري، وبالنتيجة نهاية أو بدء نهاية السياسة برمّتها.

فالبشارة الجديدة، أي الأنجيل، يبدو كأنه ابطال للفكر السياسي، لأنه غاية ونهاية الشرائع، فهو شريعة الملكوت الروحي السماوي.

   فليس من العجب إذن أن لا يقترح عقيدةً سياسية للدولة، بل هو بالعكس تذويب لكل أشكال النظم السياسية. تعليمه هو توعية على نظام الملكوت الداخلي، على الحياة الروحية الباطنية. فالمظاهر والمطامع والطموحات والأمجاد والمراكز الإجتماعية والهيراكلية الوطنية والعالمية هي باطلة. فمقاييسه الروحية تضع المحبة فوق العدالة والتوبة فوق السمعة. فلا الثروة ولا الجاه ولا السلطة ولا المعرفة نفسها تشكل القيم الأكيدة وتضمن السعادة الحقيقية. فالقيمة والسعادة هما من نوع آخر.

   فبالأختصار إذا كان المسيح لم يعرض ولم يفرض شكلاً للحكم وسياسة معينة، فذلك يعني أن السياسة لن تخلّص الإنسان كما لن يخلّصه الحكم، فليس في الديموقراطية ولا في الملكيّة ولا الأوليغرشية ولا في أي نوع آخر يوجد الخلاص، بل الخلاص هو في المسيح نفسه.

   هذا ما يشرح موقف المسيح المتحرّر والمحرّر بالنسبة إلى السياسة. فالآيات التي ذكرناها تشهد بذلك. ويشهد أيضًا موقفه من السلطة عندما قال: «أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (إنجيل متّى 22، 16-22)، وعندما قال لمن يسأله أن يتدخل في قصة ميراث وقسمة بين أخوين: «من أقامني قاضيًا ومقسّمًا»، معنى ذلك أنه يرفض أن يوظّف نفسه عند قيصر أو أن يكون مندوبًا عنه، كما أنه لا يقبل أن يعتبر قيصر إلهًا، أي أن السلطة لها حقوق ولكنها ليست معفيّة من تأدية واجبها نحو الله.

   وفي كل حال فالفصل واقع لأول مرة بين الدين والدولة. ولقد أسّس المسيح إزاء السلطة الزمنية مجتمعًا روحيًا أراده معبّرًا عن المقصد الإلهي ومنفّذًا لشمولية المحبة. وهذا المجتمع الروحي هو الكنيسة التي شاءها انعكاسًا على الأرض لمدينة السماء وبداية العيش بأخلاقية الملكوت.

   فهناك إذن مجتمعان يعكسان طبيعتي الإنسان وغايتيه، من حيث هو جسد وروح، بشر وإله، زمن وأبد. وعن هذه الثنائية ينتج مؤسستان متميزتان، سياسية وكنسية، علمانية وكهنوتية. فالدولة لا يمكن من بعد أن تكتفي بذاتها وأن يكتفي مواطنوها بأهدافها؛ إزاءها يقوم مجتمع آخر هو الكنيسة لا من حيث هي مؤسسة منظورة تشبه الدولة بنظمها وقوانينها، بل من حيث هي جماعة سرّيّة تربطها وحدة روحية وعلاقات غير منظورة. فالإنسان المسيحي منجذب نحو قطبين أو محورين، واحد سياسي والآخر ديني.

والمشكلة الأولى الكبرى كانت مدة ألف سنة في محاولة تأمين الأنسجام بين المجتمعين فلا تصبح الثنائية تحديًا وخصامًا، كما سيحدث أحيانًا، فلا تبتلع الدولة الكنيسة أو تستعملها لمآربها الزمنية، تهيمن الكنيسة على الدولة فتحوّل النظام إلى تيوقراطية كهنوتية، كما سيحدث في بعض الأجيال. لم يكن بالسهل تاريخيًا أن يسود التوازن بين الجماعتين فيُراعى مبدأ الثنائية السياسية ومبدأ الوحدة الروحية. على أن الإلتزام بهذين المبدأين طرحتهما المسيحية معًا أخرج الفكر السياسي من مقاليده وأحرجه لإيجاد بُنى دستورية جديدة تراعي الوحدة والتثنية، وتنظّم علاقات هذه بتلك دون التضحية بواحدة منهما.

 

المسيحيون والأمبراطورية الوثنية:

 

   نشأ المسيحيون الأولون في إطار الأمبراطورية الرومانية الوثنية كنائس أو جماعات متصلة بعضها ببعض روحيًا وعقائديًا لكن دون تنظيم قانوني. عقيدتهم هي بشارة الرسل بموت وقيامة يسوع مخلص العالم. روحيًا هم يعيشون في حرارة التوق إلى المسيح في نهاية العالم القريبة. فالأحداث والكوارث تنذر بهذه النهاية وبقرب تجلّي الرب. تجاه حلول الملكوت، تبدو القيم الإجتماعية المألوفة هزيلة زائلة، بينما متطلبات التضحية والكفر بالذات والأنقطاع عن الأهداف العالمية دلائل على «أن الزمان قصير» و«أن شكل هذا العالم سيزول» سريعًا. لذا فالجماعة المسيحية الأولى حاولت أن تحقق منذ الزمن شريعة الملكوت، في شركة المحبة، فعاش أفرادها في «اشتراكية تامة» (أعمال الرسل، 2، 44-45).

   سياسيًا مبدأها هو ما تعلمت من المعلم: تعطي ما لقيصر لقيصر، أي أنها تمارس الطاعة للسلطة القائمة، لأنها لا تريد، اقتداء بسيدها، أن تتحول تورتها الروحية إلى فتنة سياسية أو ثورة اجتماعية، ولأنها تريد أن تدفع عنها التهم والإفتراءات التي تصوّرها كمجموعة ثائرة على السلطة، غير أمينة للدولة، تنتسب إلى مدينة سرّية (هكذا في إحدى جلسات الأستنطاق سأل القاضي أحد المسيحيين عن مكان «أورشليم العليا» التي ينتسب إليها). وهناك أخيرًا سبب آخر وهو أن المسيحية على رغم الإضطهادات التي كانت تنزلها الأمبراطورية بها كانت ترى في إطار السلام الروماني، مجالاً لعملها الرسولي، فلم ترد أن تساهم بتحطيم هذا الإطار الذي سوف تنصب فيه صورة المسيح بدل تماثيل القياصرة.

   لذا قد علّم الرسل الطاعة لأوامر السلطان: فبطرس الرسول، رأس الكنيسة يدعو للخضوع للمؤسسة البشرية بسبب الرب، وللخضوع للملك من حيث هو مالك السلطة، وللولاة من حيث هم مرسلوه للإنتقام من فاعلي الشّر وإتابة فاعلي الخير (رسالة بطرس الأولى، 2، 13-14).

   وكذا بولس الرسول في نص شهير من رسالته إلى الرومانيين (13، 1-7) يقول: فلتخضع كل نفس للسلطات، لأن كل سلطة هي من الله، ومن يعصاها فقد عصى الله. ثم في رسالته إلى أهل كولوسي (3، 22-25) يحرّض الآباء والبنين والأزواج والعبيد، كلاًّ حسب مرتبته، أن يؤدي واجبه دون أن يدخل في الجدل حول السلطة.

وبالمعنى نفسه يوحي تلميذه طيطوس وتلميذه الآخر تيموتاوس.

   من هذا نستنتج أنه لا يوجد نظام سياسي خاص تفرضه المسيحية، بل طريقة أو نوع مسيحي من القيام بالواجب في إطار النظام السياسي القائم. فواجبات المسيحي نحو الدولة الوثنية لا يعني تكريسًا لشكل الدولة السياسي (الأمبراطورية) ولا قبولاً بالمسلطين على الدولة (الظغاة، مثلاً)، بل يعني أن مبدأ السلطة هو من الله، لأن السلطة إنما أقامها الله للخير العام، فهي موظّفة من قبل الله للخدمة. كذا كان موقف المسيحيين الأولين كما يظهر من رسائل بطرس وبولس وممّن جاء بعدهم مباشرة.

   فالقديس بوليكربوس (Polycarpe)، تلميذ مار يوحنا الرسول، قبيل أن يستشهد بعمر 86 سنة، يعلن لممثّل الحكم الروماني في أزمير:

لقد تعلمنا أن نظهر للملوك والسلطات التي أقامها الله الإكرام الواجب لها علينا طالما لا تسيء أوامرها إلى النفس. فالطاعة إذن واجبة شرط أن لا تناقض الضمير، أي تعليم الإيمان والأخلاق.وإذا حدث تناقض، يجوز العصيان، أي الصمود السلبيز

   والقديس اريناوس (Irénée)، تلميذ بوليكربوس، أسقف مدينة ليون الذي قتله الأمبراطور ماركوس أوريلوس عام 177، يستشهد بمار بولس، قائلاً ان السلطة أقامها الله لا الشيطان للخير، إذ لولاها لأكل القوي الضعيف، وضعها الله لمنع هذا التآكل. والأسقف توما الأنطاكي، عام 169، يوضح طبيعة السلطة إذ يقول: «لا تجوز عبادة قيصر، لأن قيصر ليس الله»، بل يجوز له ولمندوبيه الإكرام، لأن الله أقامه. والإكرام هنا يعني الطاعة له والصلاة لأجله وإظهار المحبة نحوه.

وأيناغوروس (Athénagore، بين 176-179) يدحض تُهم الوثنيين الذين يعيّرون المسيحيين بعدم الأمانة للدولة، ويبيّن بالعكس أن المسيحيين هم خير المواطنين لأنهم يصلّون لازدهار الأمبراطورية وثباتها، فإن في هذا ما يوفّر لهم الطمأنينة والقدرة على الإهتمام بأمور الروح.

وكذلك ترتليانوس (Tertullien، ولد حوالي 160، أفريقيا الشمالية) يدحض الإفتراءات عينها ويقول أن «قيصر هو قيصرنا نحن أكثر مما هو لغيرنا، لأن إلهنا أقامه»؛ فنحن نصلي ليطول عمره ويملك سعيدًا، إذ نعتبر أن الله نصّبه علينا، فهو لا يمكن أن يكون خصمًا لأحد، حتى ولو اضطهدنا. عظمته الحقيقية هي في أنه يحتاج إلى أن نذكّره بأنه ليس إلهًا.

أوريجانوس (185- حوالي 255) يأتي ببعض الإيضاحات المجدّدة. لا شك في أن السلطة، في نظرة، هي من الله، أعطيت، مثل ما أُعطيت الحواس، لأجل الخير. فالمسيحي يجب عليه الإمتثال للشريعة المدنيّة والأمانة لوطنه الأرضي، إنما هو مواطن للمدينة السماوية، مكلَّف بالشريعة الطبيعية التي هي من الله. وليس من تناقض بين الشريعتين وبين الوطنين، بل تكامل، على أن مدينة الله هي الأولى. ولكن الأمبراطورية هي في خدمة الأنجيل، على غير قصد منها، لأن نظامها يفسح المجال للدخول في المسيحية، فهي مدخل إلى مدينة السماء، أي الكنيسة.

   وبالأختصار، لم تُطرح على المسيحيين في أجيالهم الأولى المسألة السياسية بكل أبعادها. فهناك فصل بين الدين والسياسة عندهم. يقبلون بسيادة الدولة على كل الشؤون الزمنية، ويقولون بالطاعة لها باسم الحق الطبيعي لأن الله أقامها، ولكن السلطة تبطل فعاليتها إذا فرضت على المسيحي ما يناقض ضميره. إذن، من هذه الناحية، لقد أحدثت المسيحية ثغرةً في النظرة التوتاليتارية وحدّت لقيصر حدودًا: فهو ليس إله، فلا تجوز عبادته والتضحية له، ولو كلّف هذا الرفض الحياة نفسها؛ بل يجب له الإكرام، كما يجب الوفاء للدولة التي يحكمها، لأن السلطة التي اؤتمن عليها هي للخير، أعطاها إياها الله نفسه بسبب الخطيئة والضعف البشري، إذ لو كان الإنسان صالحًا لما احتاج إلى سلطة لتردعه عن الشر وتثيبه على الخير.

 

الكنيسة والأمبراطورية المسيحية:

 

   إن وضع الكنيسة بالنسبة للدولة في الأجيال الأولى هو واضح بسيط. فالكنيسة والدولة تتحركان على صعيدين مختلفين، فلا مشاكل مشتركة إلا ما يطرح على الضمير الفردي من حين لآخر تجاه عبادة الله لا القيصر.

   ولكنّ الوضع تغيّر لما أصبحت الدولة نفسها مسيحية، وأصبح أصحاب السلطة فيها هم أعضاء في الكنيسة. إنها معضلة جديدة واجهت الجميع منذ اهتداء قسطنطين.

في عهد الأمبراطورية الوثنية كانت المسيحية تقبل بالسلطة دون اعتراض (إلا في ما يتعلق بحدود الضمير). أما في عهد الأمبراطورية المسيحية فقد بدأت المحاولات من قبل رجال السلطة السياسية لاحتواء رجال الدين، وبدأت المخاوف من تدخلات السياسيين في الشؤون الكنسية البحتة. والعكس أيضًا صحيح، أي خشية السلطات السياسية على نفسها من محاولة الإحتواء الكنسي. وستبقى هذه المعضلة قائمة لأجيال وأجيال، فتؤدي إلى خصومات حادة طويلة أشهرها ما سمّي «بالنزاع بين الكهنوتية والأمبراطورية». ولقد نشأ الفكر السياسي المسيحي في جوّ هذه الخصومات وهذه النزاعات، لتحديد شكل الحكم الأفضل استنادًا إلى الإيمان المسيحي. وتعدّدت النظريات وتضاربت الآراء. فكل الأنظمة التي اختبرتها الشعوب المسيحية من الأمبراطورية إلى الملكية إلى الحكم الفردي (الديكتاتورية) إلى الديموقراطية، كلها وجدت لها من يعلّلها ويسوغها باسم المسيحية. وهذا التناقض دليل كاف على أن الإنجيل لم يكرّس سياسة ولم يقرّر شكلاً معيّنًا من أصناف الحكم، لأنه جاء دعوة إلى العيش بشريعة الملكوت التي يمكن أن نسميها «فوضى»، بمعنى أنها «فيض» محبة.

   لقد عاش المسيحيون الأولون شيئًا من هذه «الفوضوية»، بمعنى أنهم عاشوا دون حاجة إلى نظام خاص، سوى شركة المحبة وتقاسم كل شيء بينهم في اشتراكية مطلقة، كما وصف ذلك كتاب «أعمال الرسل» في الفصل 2، عدد 44-45.

   على أن الوضع تغيّر، كما قلنا، لمّا تمّ القران بين المنيسة والدولة، بعد معاهدة ميلان عام 313. لقد قام فريق من المسيحيين باعتراض على هذا الزواج فاعتصموا في العراء طالبين الغربة عن العالم والإستشهاد الروحي، بعد أن عزّ عليهم الإستشهاد الدموي. هكذا نشأت الرهبانية، بينما المسيحيون الآخرون كانوا يحاولون إيجاد صيغة للتعايش مع السياسة التي فصلها اإنجيل عن البشارة.

   الخشية جاءت من الأساقفة أولاً. فهذا هوزيزس القرطبي (Hosius de Cordoue) يكتب لقسطنطين بمناسبة انعقاد المجمع النيقاوي (عام 325) محذّرًا إياه من التدخل في شؤون الدين، وإلاّ فقد خالف وصايا الإنجيل الذي ميّز بين لقيصر وما لله. وهذا يوحنا فم الذهب(347-407) بطريركالقسطنطينية، يُعزل مرتين عن كرسيه ويموت في المنفى بتدخل من الأمبراطور في الأمور الدينية. يوحنا فم الذهب يوصي بالطاعة للسلطة، موضحًا أن بولس الرسول لم يقل أن كل سلطان هو من الله، بل كل سلطة، من حيث أنها وظيفة خدمة. فالسلطة تأسيس إلهي، أما السلطان فهو نتيجة نزاعات الناس. السلطة أعطاها الله كضرورة بسبب فساد البشر، فهي وضعت للأشرار لتردعهم، لا للصالحين الذين ليسوا بحاجة إليها. يوحنا يميّز بوضوح بين الزمني والروحي: الملك مكلف بشؤون الأرض والكاهن بشؤون السماء، هذا بالأجسام وذاك بالأرواح، هذا بالإكراه وذاك بالحثّ، هذا بالقوة وذاك بالإقناع، هذا بأسلحة مادية وذاك بوسائل روحية، هذا بمحاربة البرابرة وذاك بمحاربة الشيطان.

   في الكنيسة الشرقية، الأمبراطورة اودكسيه، تعزل البطريرك يوحنا فم الذهب عن كرسيه، بينما في الكنيسة الغربية، هو الأسقف امبروسيوس (Ambroise) مطران ميلان (333-397) يتصدّى للأمبراطورة جوستينا وللأمبراطور اتاودوسيوس فيعتصم في الكنيسة مع عدد من المؤمنين ويمنع الأمبراطور الأشتراك في القربان ويرشقه بالحرم حتى يتوب علنًا، بعد المجزرة التي ارتكبها في مدينة تسالونيكي. وكانت هذه أول مرة اختبرت فيها الكنيسة سلاح الحرم. سياسيًا، موقف الأسقف واضح أظهره بمناسبة الخصومات التي قامت بينه وبين الأمبراطور. إنه يعترف بسلطة الأمبراطور وحقوقه، ولكنه يذكّره بواجباته، في كلمة مشهورة: «الأمبراطور هو في الكنيسة لا فوق الكنيسة»؛ هو روحيًا تحت سلطة الكنيسة، فعليه واجب الطاعة لممثليها في الشؤون الروحية؛ قبلها الحق أن تفرض عليه التوبة عن خطيئته والندامة وتغيير السلوك، ووسائلها مثل عقوباتها هي روحية لا مادية.

   عندما وقع الصدام بين الأسقف أمبروسيوس والسلطة المدنية في ميلان، كان أغوسطينوس (354-430) وهو شاب حينذاك وثني شاهدًا على ذلك. سيقبل العماد من يد أسقف ميلان ويرجع إلى أفريقيا فيصبح أسقفًا على مدينة هيبون عام 396 ويترك من الآثار ما سيطبع الفكر المسيحي بطابع لا يمحى. إنه من أضخم العقول التي ظهرت في التاريخ.

   إن ما يهمنا هنا هو موقفه من السياسة. سيكون له شأن خطير في العصور التالية، هذا الموقف نجده في كتابه الكبير «مدينة الله» (De Civitate Dei) الذي بدأ بكتابته عام 413، ولم ينتهِ منه قبل عام 426. وقت كتابته كانت الحدّة التي شهدها في ميلان بين الكنيسة والأمبراطورية قد هدأت، فالدولة والكنيسة على أتمّ وفاق حقّقه الأمبراطور تيودوسيوس وابنه هونوريوس، فالدولة ضعيفة تواجه الهجمات في الخارج والإنحلال من الداخل. ولمّا سقطت روما الخالدة في يد ألاريك (Alaric) فاستولى عليها البرابرة (Wisigoths)، انصبّت اتهامات الوثنيين على المسيحية التي اعتبروها مسؤولة عن انحلال الدولة وسقوط المدينة، فقد أغضبت الآلهة ولم يستطع إلهها المحافظة على من آمنوا به وعلى المدينة.

   أغوسطينوس يكتب موسوعة ليدحض هذه التهمة، ولكنه يتخطّى هذا الهدف العارض فإذا بكتابه يصبح تأملاً لاهوتيًا في تاريخ المدنيات. هذا الأثر العظيم سيتردد صداه عبر القرون الوسطى، وسيكون واحدًا من أكبر مراجع الفكر السياسي في المسيحية، مع الإعتبار أن المواقف المستندة إليه متناقضة كما هي الحال بالنسبة إلى الكثير من المواضيع الكبرى اللاهوتية والفلسفية التي عالجها.

نظرة أغوسطينوس السياسية قائمة على التمييز بين المدينتين اللتين أنشأهما الحبّ: «حبّ الذات حتى احتقار الله أنشأ المدينة الزمنية، وحب الله حتى امتهان الذات أنشأ المدينة السماوية».

كذا منذ البدء، منذ زمن قايين وهابيل، وكذا سيكون حتى النهاية. مدينتان تعيشان متحازيتين أو مختلطتين، ولا أحد يعرف تمامًا إلى أية مدينة ينتمي هذا الإنسان أو ذاك، كالحقل الإنجيلي حيث ينمو في الليل القمح والزؤان. على أن الإيمان يدلّ على أن المدينة الزمنية ومنشآتها وقيمها هي زائلة، ولا خلود إلا لمدينة القديسين.

   ما هي العلا

قة بين الإثنين؟ لا يقول أغوسطينوس (عكس ما قوّلوه) ان المدينة هي موطن الشيطان، بل إنها تخضع للتدبير الإلهي لأن كل سلطة فيها مصدرها في الله، ولأن العناية الإلهية تدبّر أحداث التاريخ حسب مقصد خلاصي لا تدرك العقول مسالكه. بهذا القول يتنصّل أغوسطينوس من الأحداث ليلتزم بالمبادئ. فلا يقول بأن هذا الأمبراطور أو ذاك قد أقامه واختاره الله، بل أن أصل السلطة التي يمارسها هو من الله؛ ولا ينسب أحداث التاريخ كلها، بما فيها من جرائم ومصائب، إلى إرادة الله، بل يقول بأن لله مقصدًا إنقاذيًا يتمّمه من خلال الأحداث.مثلاً، سقوط رومه بيد البرابرة هو كارثة لأن رومه كانت الإطار السياسي الأصلح لانتشار المسيحية، ولكن المسيحية لا يمكن أن تتضامن مع أي شكل من أشكال المدنيّات فتربط مصيرها بهذا الشكل، مهما عظمت محاسنه الظاهرة، وذلك لأن «رومه ليست أبدية، فالله وحده أبدي». وكذا القول عن غير رومه.

   فبالرغم من التزامه بالروح المواطنية تجاه رومه، ومن إقراره بالعلاقة الفريدة بين ازدهار الأمبراطورية وانتشار المسيحية، ومن احترامه للفضائل التي تقيّمها الدولة، وشعوره العميق بالإنتماء الفكري والسياسي إلى تلك المدينة، أغوسطينوس يعرف أن يحتفظ باستقلالية الكنيسة، لأن الكنيسة لها مجالها الخاص بها، وهو روحي لا مادي، باطني لا خارجي، علمي غير محصور في تخوم محدود. فالكنيسة أعمق وأوسع من الأمبراطورية. أجل، يجب أن يكونا على وفاق وأن يتبادلا الإحترام والخدمات، ولكن من الضرورة أيضًا أن يحافظ كلّ منهما على استقلاله، فبينهما فروق لا يجوز الصمت عنها، إذن إن لكل منهما هويّته وأسلوبه ومجال عمله وهدفه.

   أغوسطينوس لا يدعو إلى إقامة نظام تيوقراطي، بل يقول بعكس ذلك تمامًا. هذا لم يمنع المحاولات التيوقراطية في القرون الوسطى، إنما ظلّت «الأغوسطينية السياسية» (augustinisme politique)، على رغم تحريفها، تذكّر المفكرين عبر الأجيال بأن المصير المسيحي غير مرتبط بأنظمة دولية، أيًا كان صنفها، وبأن أنموذج الحكم الذي تسعى إلى تحقيقه الرسالة المسيحية هو دعوة مستمرة إلى تخطي نماذج الحكم المعروفة كلها، سعيًا إلى إحلال ملكوت المحبة.