بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
307
834477

صفحتنا على الفيسبوك

دولة "حزب الله" "المدنية المؤمنة"!!

Share

2012-01-15

عبد الرؤوف سنّو

"الدولة المدنية المؤمنة"، هي وجه لدولة إسلامية، مهما جرى التلاعب بالتسميات والألفاظ. من هنا، فإن الدولة التي ينادي بها "حزب الله" ليست "الدولة المدنية" التي نعرفها واصطلح عليها المفكرون.

دعا الشيخ محمد عمرو عندما زار بكركي في الثاني من الشهر الجاري على رأس وفد من حزب الله للتهنئة بالأعياد، إلى إقامة "الدولة المدنية المؤمنة". وذكرت إحدى الصحف أن الحزب وبكركي "اتفقا على ضرورة إرساء الدولة المدنية المؤمنة"، وأن البطريرك الراعي "يدعو منذ فترة إلى إرساء الدولة المدنية المؤمنة التي تفصل الدين عن الدولة، من دون أن تؤدي إلى العَلمانية الملحدة...". فهل أوِّل كلام البطريرك الراعي بما لم يقله، لإعطاء الانطباع أن الحزب وبكركي متفقان على "الدولة المدنية المؤمنة" كنظام يضمن مستقبلاً الاستقرار في لبنان وسلمه الأهلي؟
عند تأسيسه في العام 1982، طرح "حزب الله" الإسلام كمنهج وسلوك وحياة سياسية وفكرية يومية، وإيران نموذجاً للدولة والنظام الإسلاميين، وأعلن في الثمانينات عن رفضه الكيان اللبناني، ولم يخفِ التزامه بحكم الإسلام، ودعوة الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي، من دون أن يفرض بالقوة. وكان هناك قلة صغيرة من العلماء السنّة يؤيدون هذا الطرح. وفي العام 1986، كان هناك حديث قوي عن مسوّدة دستور إسلامي للبنان وضعت بنوده في طهران حول "ضرورة إقامة حكومة إسلامية في لبنان"، وأن يكون لبنان جزءاً من أمة الإسلام في العالم بقيادة إيران. وما لبث المشروع أن انطوى، مع انخراط الحزب في الدولة والحياة السياسية منذ العام 1992، مع أن تبعيته للولي الفقيه، دينياً وسياسياً، وقبول شريحة واسعة من اللبنانيين الشيعة بذلك، ونفوذه على لبنان، دولة ومجتمعاً، جعلت مناطق الحزب أشبه بدويلة إسلامية تخضع لنفوذ إيران الإسلامية.
في كتابه: "حزب الله: المنهاج والتجربة والمستقبل"، هناك إشارات كثيرة صريحة لمؤلفه الشيخ نعيم قاسم تدعو إلى النظام الإسلامي. وعلى الأرض، بقيت ممارسات الحزب تستند إلى مبادئ الإسلام، إلى أن أعلن الشيخ عمرو عن مشروع لإقامة "دولة مدنية مؤمنة". فهل هذه جسر عبور إلى الدولة الإسلامية المنشودة؟
إن "الدولة المدنية" لا تلغي الأديان ولا دور العبادة الخ... وهي تتعامل مع شعبها من منطلقات لا علاقة لها بالدين، تقوم على المواطنة والمساواة في الحقوق بين أفراده، وأن يكون لهم الحرية في ممارسة عقائدهم وشعائرهم وثقافتهم وحياتهم اليومية تحت سقفها. وبرأينا، إن لصق صفة "الإيمان" بالدولة المدنية يُخرج تلك الدولة المنشودة عن هدفها بأن تكون لجميع أبنائها، من "مؤمنين"، و"غير مؤمنين" (غير مسلمين ومسلمين علمانيين). فالدولة المدنية لا يمكن أن تكون "مؤمنة"، بل يمكن شعبها أن يكون كذلك، في حين أن مواطنيها متساوون في الحقوق والواجبات.
وإذا عدنا إلى الوراء، وجدنا أن المواطن اللبناني مقيد في حريته من قبل الذين يروّجون "الدولة المدنية المؤمنة"، من ناحية التضييق على الحريات الشخصية، وتعميم الثقافة الدينية، ونشر المظاهر المذهبية، وحتى المواقف من الدولة صاحبة السيادة على شعبها وأرضها. كل هذه مسائل أساسية إذا انتفت، لا تقوم الدولة المدنية. وهناك قضايا كثيرة تثير التساؤلات:
-1 في النبطية جرى في السابق إغلاق محال المشروبات الروحية. وفي صور، فُجرت قبيل عيد رأس السنة مطاعم كانت تروج حفلات غنائية وتقديم الكحول. فكيف سيكون موقف الشريكين الماروني والشيعي في "الدولة المدنية المؤمنة" المنشودة من موضوع الحرية الشخصية للفرد، إذا ما صدقت رواية الصحيفة حول موافقة البطريرك الماروني على مصطلح "الدولة المدنية المؤمنة"؟ وهل سيترك "حزب الله" في مناطق نفوذه، وفي ظل "الدولة المدنية المنشودة"، لمن هو على دينه، وعلى غير دينه وثقافته، الحرية في ممارساته الفردية، ومنها تناول المشروبات الروحية وارتياد الحفلات الفنية الخ...، ويكون حسابه عند خالقه؟
-2 هل سيكون الزواج المدني مسموحاً به من قبل "أصحاب القرار" في "الدولة المدنية المؤمنة"، وعلى الأخص في الجانب الإسلامي، من أحزاب ومؤسسات دينية؟ لقد فشلت الدعوة في العام 1998 إلى اعتماد "الزواج المدني الاختياري" لأسباب معروفة. ومن المؤكد،ً أن الحزب سيكون، ومعه المؤسستان الدينيتان الإسلاميتان، ضد الزواج المدني، حتى ولو كان اختيارياً.
-3 كيف سيكون موقف "الدولة المدنية المؤمنة" من الذي لم يهتد إلى الإيمان، وما هي حقوقه كإنسان: هل ستكون هي نفسها التي يتمتع بها من هو "مؤمن"؟ إن قول الشيخ عمرو في الصحيفة: "ليس لدينا ما يُسمّى الدولة الدينية، فالدولة هي للناس الذين لهم حرية التعبّد كما يشاؤون"، معناه أن "الدولة المدنية المؤمنة" المنشودة، ستكون للمؤمنين والمتعبدين فقط، ولا مكان فيها لمن هو "غير مؤمن"، وإلا لقال سماحته: "... للناس الذين لهم حرية التعبد كما يشاؤون، والذين لا يريدون التعبد". وبناءً على ذلك، سينقسم المجتمع اللبناني، وكأنه لا يكفيه الانقسام الطائفي، إلى مجتمع "المؤمنين" ومجتمع "غير المؤمنين"، أي ما يشبه الانقسام الذي ساد في الدول الإسلامية المنقرضة والراهنة: مسلم، و"أهل ذمة" (بالمعنى الإلحادي)؛ فيتفجر لبنان من جديد على أساس "إيماني" و"غير إيماني". من هنا، لن تؤدي "الدولة المدنية المؤمنة" إلى ظهور هوية جامعة يستظل تحتها كل أفراد المجتمع.
-4 هل ستتضمن "الدولة المدنية المؤمنة" مساحة من الديموقراطية السياسية والاجتماعية، بحيث يستطيع المرء أن يمارس حرية القول والنقد والتعبير التي تصب في مصلحة الوطن؟ وهل يستطيع أن يختار سلوكه وحياته اليومية من دون إملاءات. وهل ستتحول "ديموقراطيتنا التوافقية" الطائفية، أصل كل بلائنا وأمراضنا، إلى "ديموقراطية إيمانية" فريدة في العالم العربي، فنتحول في لبنان إلى "الحروب الإيمانية"؟ ومن المؤكد، أن العدالة والديموقراطية اللتين تحدث عنهما البطريرك الراعي تختلفان في فلسفتهما ومضامينهما عن مفهومي الشيخ عمرو للمصطلحين. حتى في مسألة حقوق الإنسان، هناك خلاف في النظرة بين المسيحية والإسلام.
-5 لقد قال البطريرك الراعي في معرض رده على الشيخ عمرو: "لبنان دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة..."، وطالما أن توافقاً حصل بين "حزب الله" وبكركي حول "الدولة المدنية المؤمنة"، كما تزعم الصحيفة، فهل سيفصل "حزب الله" فعلاً، في ظل "الدولة المدنية المؤمنة" بين الدين والدولة، بحيث يتبع عقائدياً المرجعية الدينية في قم أو أية مرجعية يريد، ويكون في الوقت نفسه مستقلاً سياسياً عن "الولي الفقيه"، بحيث لا يضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم خوفاً من زجّ لبنان في مشاريع ليست مشاريعه؟ وفي الدولة المدنية، لا دور سياسياً لرجال الدين مهما علا شأنهم، أي أنهم يهتمون فقط بشؤون الرعية من ناحية القضايا الدينية. وفي الدولة المدنية "غير المؤمنة" يوجد قانون انتخاب يتمثل فيه الجميع، ولا مكان للتهميش وللمحادل الطائفية والمذهبية التي تدهس المنافسين. فهل الأحزاب والقوى الطائفية في لبنان، ومنها "حزب الله"، على استعداد لتطبيق هذه القواعد الديموقراطية الأساسية للدولة المدنية؟ أخيراً، في الدولة المدنية المنشودة، هناك مؤسسة واحدة، هي الدولة التي تفرض سلطتها على شعبها وعلى أراضيها. وما نشهده اليوم من فلتان وتعدٍ وتقاتل في الشوارع والمدن، وسرقات وتشليح، وما حدث في بيروت وغيرها أخيراً، يجعل "الدولة المدنية المؤمنة" المنشودة عملية تحول عبثية لن يكتب لها النجاح.

استنتاج

أية "دولة مدنية" سيختارها اللبنانيون، ولا تقودهم إلى انقسام مجتمعي وعدم مساواة وتسلط وغبن؟ "الدولة المدنية" التي لا تعمل على أسس الدين ويتساوى كل أفراد مجتمعها، المؤمنون وغير المؤمنين، وتطبق الديموقراطية الحقيقية والعدالة، أم تلك التي تجعل من الإيمان" محدداً لها، فتطيح من لم يدخل "الإيمان" إلى قلبه؟ إن "الدولة المدنية المؤمنة"، هي وجه لدولة إسلامية، مهما جرى التلاعب بالتسميات والألفاظ. من هنا، فإن الدولة التي ينادي بها "حزب الله" ليست "الدولة المدنية" التي نعرفها واصطلح عليها المفكرون، وهي تحمل في طياتها نقيضين لا يلتقيان: فمصطلح "الدولة المدنية المؤمنة" معناه في شقه الأول أننا نقصد دولة لا دينية، وفي الشق الثاني أنه إيماني. من هنا، سوف يضع النظام المقترح، من دون شك، الأقلية المسيحية، العددية لا الحضارية في لبنان، أو الأقلية "غير المؤمنة"، الحضارية أيضاً، تحت تسلّط الأكثرية الإسلامية و"المؤمنة".