بحوث ومقابلات

زوار الموقع

Today
All days
309
834479

صفحتنا على الفيسبوك

جدليّةٌ... إشراقاتُ خلود!

Share

 

دفعتَ إليّ بمخطوطٍ عنونتَه: "جدليّةُ الحضور والغياب"، فأشعرْتَني أنّكَ تضع بين يديّ سِفْرًا غاليًا، يجعلُكَ ترهبُ حكمًا قد لا يُصيب!

 

"جدليّة الحضور والغياب"، مصنّفٌ وُلد في قلب اختباراتٍ حميمة، عشتَها إثرَ لقاءٍ مزدوج مع الفراق. واسمحْ لي أن أدعوَ هذا الآتي على غفلةٍ ربّما - عنيتُ الموت - فراقًا. وسِرتُ معكَ عبر هذه الصفحات، أجدُني في كلّ محطّة أواجه فراقًا ليس إلاّ! وبانَ هذا الفراق جدليّةً تتهادى بين الحضور والغياب، أو كما قلتَ واختبرت: بين الحضور والتبدُّل في الحضور! ورُحتَ في ألمعيّةِ إبداعكَ تقول: غيابٌ في الحضور.

وتوغّلتَ في مقاربةٍ فلسفيّة شيّقة، كانَ بطلَها معلِّمُكَ "سوامي شيدانندا"، ظهرت لكَ خلالَها غيبتُه تحوّلاً أو تغيُّرًا في الحضور. حضورٌ غالبٌ في المعادلة قادكَ إلى لقاءٍ دائمٍ بالمعلّم رغم الفراق. فإن "غاب" الجسد، لم يغِبْ إلاّه. كلّ باقٍ يُبقيه هنا. وكلّ شيءٍ منه باقٍ!

اختبار البقاء هذا، سار بكَ إلى مواجهة استحقاقٍ آخر في عمق الجدليّة ذاتها، فرضها فراقٌ ثانٍ، وضعكَ اختبارُه هذه المرّة أمام انكشاف!هوذا غياب الوالد، طانيوس صليبا، طاسو، الذي

"باكرًا رحلتَ

يا أبتاه،

فجأةً... ودون إنذار..."

غيابٌ أخرج إلى النور هذه الصفحات قلتَ فيها: "تشدو رحيلكَ... غيابكَ... وحضورَكَ المستمرّ وجدليّتهما!" وأعود، أخرجَ إلى النور انكشافكَ ذاتًا ومكنونات! وفي انكشافكَ تكلّم الصمتُ مدوِّيًا. وفي تعبيراتكَ الكاشفة وجهَ "يا بوي"، إشراقاتٌ نورانيّة لشخصكَ الدفين.

فما أحيلاكَ لويس، تسرد ارتحالَ "بوك" - أبيكَ قصدتُ - متحدِّثًا إليه: "كأنّكَ لم تَشَأْ أن يكون موتكَ سقوطًا بل صعودًا... طلوعًا مع طلعة الشمس... فاستحقّيتَ موتًا جليلاً يتوق إليه، وإليه يسعى كلّ السالكين والمتنوّرين". وتضيف: "أهكذا الكرام يا بوي، يُمضون سحابة العمر لا يَبخلون، حتى باللقمة في صحنهم، ويرحلون كما النسمة... لا حسَّ ولا خبر".

وتكملُ تصف وجهَه الراحلَ باسِمًا، يعكسُ مسيرةَ حياةٍ فرِحة معكَ وبين الأحبّاء، تعبيرًا أنّه رغم الموت، إشاراتُ البقاء وافية! وكيف يموت من لا يزال يُطلق مرسلاتِ حياة؟ وههنا مرسلةٌ تجلّت مرتسمة في وعيكَ تحكي تحوّلاً في الحضور، تقول مستشهدًا بجبران: "المحبّةُ لا تعرف عمقَها إلاّ ساعةَ الفراق". وتكمل:

"لم أكُنْ في غفلتي أدركُ أنّ هذا الحبّ سحيقٌ عميق...

ومن أحبّ بهذا القدْر... حبُّه يبقى...

لا، فأنتَ وإن رحلتَ فلن تتركَني...

حنانُكَ وحبُّكَ حاضرًا"

وتضيف في قمّة انكشافِكَ تجلّياتِ رَبطِكَ بأبيك:

"يا بوو...ي ي ي... ويغصّ الصوت

ولكنّي أعلم أنّكَ لم تزلْ تسمع...

وإنْ بطريقةٍ أخرى،

تُحسّ، تلتقط نداءاتي".

نداءاتٌ تنمّ عن اعترافٍ بما اعتقدتَ نفسكَ غافلاً عنه: إدراك حبّ أبيك لكَ، وشعورَك منه فقط "بنتفٍ وشذرات!" كيف يا أبي "علّمتُ الآخرين الإصغاء، ولم أُحسن الإصغاء إلى صمتكَ" الحاكي "حبًّا يعانق الجذور، يرويها".

جدليّة الحضور والغياب" مقاربةٌ أدبيّة مهداة إلى أبيكَ "طاسو صليبا"، أردْتَها مختلفة في الشكل. رحتَ فيها عبر نوعٍ أدبيّ تشكّلَ فريدًا في الصورة الفارقة! وفي بداية النصّ تبريرُ الأسلوب. فلا يعتقدَنَّ قارئٌ أنّكَ في معرِضٍ نثريٍّ بحت، ولا يغُشّنّه اعتبار أنّه في عالم شعر! إنّكَ في الواقع اعتمدتَ لونًا خاصًّا استحقّه الموضوع وفرضته المناسبة. لونٌ أدبيّ رفيع، أبحرتَ فيه رافعًا مرساةَ عرفانٍ راقٍ عنوانه الحبّ، شخصيّتاه عزيزتان: أنتَ وأبوك. ما بين حضوركَ المرئيّ وغيابه الحاضر! فإن كان الشعرُ وزنًا وقافية، تخطّى النصّ التفعيلةَ إلى اللاحدود، وهدأ الروِيُّ تروِّيًا على شاطئ العبور إلى ضفاف الخلود. وسكبتَ المضمون الفالشَ نفسَكَ على علويّة الأفق من تفتُّقات رحابة المدى!

وعالجتَ في السياق جدليّةَ الموت ما بين الحضور والغياب، غيابًا في الحضور، لتنكشفَ هذه المرّة متجذِّرًا

في الأعماق اللاهوتيّة لأسراريّة العقيدة المسيحيّة، متعمِّقًا في الجذور الفقهيّة الإسلاميّة، ومُخرجًا المفاهيم البوذيّة والهندوسيّة لمعضلة الموت، التي شغلت مدى الأيّام، مؤمني ديانات الأرض على السواء. وما أراكَ إلاّ تقيًّا ورِعًا في تأصّلكَ انتماءً ومكتسبات!

لويس الحبيب،

سيبقى مؤلَّفُكَ هذا بدعةً في تشكّلات الأسلوب الأدبيّ المميّز ومقاربات المضمون والموضوع! كما سيتسجَّلُ ابتكارًا في المناسبة التي فجّرت صخرةَ "جدليّة الحضور والغياب"، مياهًا سقتْ من مرِّها حلاوةَ سلسبيل، ورقراقَ عذوبةٍ تشدوكَ شكرًا!

في 24 كانون الأوّل 2013

                                                                              عماد يونس فغالي